< النفط بين العقوبات وعودة الإمدادات.. هل فقدت إيران ورقة الضغط الأقوى في سوق الطاقة؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

النفط بين العقوبات وعودة الإمدادات.. هل فقدت إيران ورقة الضغط الأقوى في سوق الطاقة؟

النفط
النفط

لم تعد أسعار النفط تتعامل مع أزمة إيران باعتبارها تهديدًا مباشرًا وفوريًا لإمدادات الخام العالمية، وهو التحول الذي انعكس بوضوح على حركة الأسواق خلال تعاملات نهاية الأسبوع، بعدما تراجع خام برنت إلى نحو 88.28 دولار للبرميل، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط إلى 83.4 دولار.

ورغم استمرار التوترات الجيوسياسية واحتمالات التصعيد، فإن المستثمرين بدأوا يعيدون تقييم المخاطر بصورة مختلفة، مع تحسن نسبي في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز وظهور مسارات بديلة محتملة، بالتزامن مع مؤشرات على استمرار قدرة المنتجين الخليجيين على تصدير كميات أكبر من الخام مقارنة بأدنى مستويات الأزمة.

ويطرح هذا التراجع سؤالًا أكثر أهمية من مجرد اتجاه الأسعار: هل نجحت الأسواق في تجاوز خطر صدمة الإمدادات النفطية، أم أن انخفاض الأسعار يمثل هدوءًا مؤقتًا قد ينتهي سريعًا إذا تغيرت الحسابات العسكرية والسياسية في المنطقة؟

لماذا تراجعت أسعار النفط رغم استمرار التوترات؟

السبب الأساسي وراء تراجع أسعار النفط هو تغير طبيعة المخاطر التي يسعرها المتعاملون في الأسواق.

فبدلًا من التعامل مع التطورات الإيرانية باعتبارها تهديدًا فوريًا لإمدادات النفط، بدأ التجار ينظرون إلى الأزمة باعتبارها مواجهة اقتصادية وسياسية ترتبط بالعقوبات والضغوط الدولية أكثر من ارتباطها حاليًا بانقطاع واسع ومستمر في تدفقات الخام.

وهذا التحول مهم للغاية، لأن أسعار النفط شديدة الحساسية تجاه حجم المعروض العالمي المتوقع، وليس تجاه وجود أزمة جيوسياسية في حد ذاتها.

فعندما يقتنع المستثمرون بأن الأزمة لن تؤدي إلى توقف طويل الأمد للإمدادات، فإن علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تضاف إلى سعر البرميل تبدأ في الانحسار، حتى لو ظلت احتمالات التصعيد قائمة.

ومن هنا يمكن تفسير اتساع خسائر خام برنت الأسبوعية إلى أكثر من 5%، بالتزامن مع تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 4% خلال الأسبوع.

مضيق هرمز كلمة السر في سوق النفط

ويبقى مضيق هرمز العامل الأكثر تأثيرًا في الحسابات الحالية لأسواق الطاقة، نظرًا إلى أهميته بالنسبة لحركة صادرات النفط من منطقة الخليج.

وكانت المخاوف الرئيسية تتمثل في احتمال حدوث اضطراب واسع ومستمر في حركة الناقلات، وهو السيناريو الذي كان من شأنه دفع أسعار الخام إلى مستويات أعلى بكثير.

لكن تحسن تدفقات النفط عبر المضيق، إلى جانب الحديث عن ممر إيران-عُمان المقترح، ساعد في تخفيف جزء من المخاوف المرتبطة بانقطاع الإمدادات.

وتشير المعطيات الواردة إلى أن إيران وعُمان توصلتا إلى إطار لتقاسم عائدات المضيق، إلا أن طهران أكدت أن الاتفاق لا يعني بالضرورة إعادة فتح المضيق بشكل فوري.

وهنا تظهر نقطة مهمة؛ فمجرد وجود إطار للتعامل مع العائدات لا يعني انتهاء الأزمة، لكنه يعطي الأسواق إشارة إلى وجود قنوات تفاوضية يمكن أن تساعد في الحفاظ على قدر من تدفق التجارة والطاقة.

صادرات الخليج ترتفع من أدنى مستوياتها

تكشف تقديرات جولدمان ساكس عن تحسن واضح في صادرات النفط من منطقة الخليج العربي وبحسب التقديرات، ارتفعت الصادرات إلى نحو 15 و16 مليون برميل يوميًا، بعدما كانت قد تراجعت في مارس الماضي إلى مستويات تتراوح بين 5 و6 ملايين برميل يوميًا.

ورغم أن المستوى الحالي لا يزال أقل بكثير من مستويات ما قبل النزاع، والتي تراوحت بين 22 و24 مليون برميل يوميًا، فإن الزيادة تمثل تطورًا مهمًا من وجهة نظر الأسواق.

فالأسواق لا تنظر فقط إلى حجم الصادرات الحالي، وإنما تراقب اتجاه الحركة أيضًا.

وارتفاع التدفقات من مستويات شديدة الانخفاض يعطي انطباعًا بأن قدرة المنطقة على استعادة جزء من صادراتها ما زالت قائمة، وهو ما يقلل احتمالات حدوث نقص حاد وفوري في المعروض العالمي.

هل العقوبات أصبحت أهم من الحرب؟

أحد أبرز التحولات في المشهد النفطي هو انتقال التركيز من السيناريو العسكري المباشر إلى أدوات الضغط الاقتصادي.

فالعقوبات المفروضة أو المحتملة على إيران يمكن أن تؤثر في حركة صادرات النفط، لكنها تختلف في تأثيرها عن إغلاق ممر رئيسي للطاقة أو تعرض منشآت إنتاجية كبرى لأضرار مباشرة.

وفي هذا السياق، فإن الأسواق تبدو أكثر اهتمامًا بتطورات العقوبات وقدرة إيران على الاستمرار في تصدير النفط، وكذلك بمدى استعداد الدول الأخرى لاستيعاب أي انخفاض محتمل في المعروض.

وبالتالي، فإن استمرار تدفق الخام حتى مع وجود العقوبات قد يحد من تأثير الأزمة على الأسعار، خصوصًا إذا تمكن المنتجون الآخرون من تعويض جزء من أي نقص محتمل.

المفاوضات الأمريكية الإيرانية تزيد حالة عدم اليقين

وتزداد الصورة تعقيدًا مع التقارير التي تفيد بأن إدارة ترامب أبلغت الوسطاء بأنها لا تنوي إحياء بنود الاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه مع إيران في يونيو الماضي ثم انهار لاحقًا.

ويمثل ذلك عنصرًا إضافيًا في حسابات سوق النفط، لأن مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية يرتبط بصورة مباشرة بمستوى العقوبات المفروضة على طهران وقدرتها على بيع النفط في الأسواق العالمية.

وفي حال اتجهت واشنطن إلى تشديد الضغوط، فقد تتراجع قدرة إيران على تصدير الخام، وهو ما قد يعيد المخاوف المتعلقة بالمعروض إلى الواجهة.

أما إذا ظهرت لاحقًا مسارات تفاوضية جديدة، فقد تتراجع علاوة المخاطر مجددًا، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بتخفيف محتمل للقيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية.

خام برنت أمام اختبار جديد

ويواجه خام برنت في المرحلة الحالية اختبارًا مهمًا، لأن تراجعه إلى 88.28 دولارًا يعكس انخفاضًا ملحوظًا في علاوة المخاطر التي كانت تدعم الأسعار.

لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة أن الاتجاه الهبوطي أصبح مضمونًا.

فسوق النفط لا يزال معرضًا لعدة عوامل متناقضة؛ من بينها تطورات الأزمة الإيرانية، وحركة الملاحة في مضيق هرمز، ومستويات الإنتاج الخليجي، والسياسات الأمريكية، فضلًا عن توقعات الطلب العالمي.

ولهذا قد تتحول الأسعار بسرعة إذا ظهرت أخبار تؤكد وجود اضطراب كبير في الإمدادات.