لماذا تحتاج مصر إلى روسيا وكوريا الجنوبية معًا في محطة الضبعة النووية المصرية؟
تكتسب مشاركة كوريا الجنوبية في مشروع محطة الضبعة النووية المصرية أهمية متزايدة، بعدما أصبحت الشركات الكورية جزءًا أساسيًا من تنفيذ المشروع الذي تقوده روسيا، في وقت يواجه فيه قطاع الطاقة النووية الروسي ضغوطًا متصاعدة بسبب العقوبات الغربية المفروضة على موسكو منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وفقًا لمجلة بيزنس إنسايدر.
إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات
وتوفر المشاركة الكورية لمصر إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية، بينما تسمح باستمرار تنفيذ أجزاء مهمة من المشروع بعيدًا عن تأثير تراجع مشاركة بعض الشركات الأمريكية والأوروبية في المشروعات المرتبطة بروسيا.
وتقوم المعادلة الراهنة في الضبعة على توزيع الأدوار بين الأطراف الثلاثة. فروسيا، ممثلة في شركة «روساتوم»، تحتفظ بالدور الرئيسي في التكنولوجيا النووية وتعمل مقاولًا عامًا للمشروع، بينما تتولى شركات كورية جنوبية قطاعات مهمة من البنية التقليدية للمحطة، خصوصًا التوربينات والمولدات وأنظمة التحكم ومعدات مرتبطة بتوليد الكهرباء.
شراكة مصرية روسية بمشاركة كورية
بدأ التعاون المصري الروسي الحالي في عام 2015، عندما وقعت القاهرة وموسكو اتفاقًا لبناء محطة الضبعة على الساحل الشمالي لمصر، باستثمارات تقدر بنحو 30 مليار دولار. ويتضمن المشروع الأساسي أربعة مفاعلات من طراز VVER-1200 بقدرة إجمالية تبلغ 4.8 غيغاواط.
لكن الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 غيرت البيئة المحيطة بالمشروع، بعدما فرضت الولايات المتحدة ودول أوروبية عقوبات واسعة على روسيا وشركاتها، فيما قلصت شركات غربية أو أنهت مشاركتها في مشروعات مرتبطة بالاقتصاد الروسي.
وفي هذا السياق، ازدادت أهمية المشاركة الكورية، إذ استطاعت الشركات الكورية تولي أدوار في قطاعات أصبحت أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشركات الغربية، مع بقاء التكنولوجيا النووية الأساسية تحت المسؤولية الروسية.
ماذا تفعل الشركات الكورية؟
لا تقتصر المشاركة الكورية على الدعم الفني، وإنما تشمل أعمالًا رئيسية في البنية غير النووية للمحطة. وتتولى شركة «Doosan Enerbility» بموجب عقد تبلغ قيمته نحو 1.15 مليار دولار جزءًا مهمًا من أعمال التوربينات، بما يشمل الهياكل والمعدات المرتبطة بالتوربينات والمولدات وأنظمة التبريد ومعالجة المياه.
كما تشارك شركات كورية في أنظمة التحكم ومكونات مرتبطة بمنظومة توليد الكهرباء. ويتيح هذا التقسيم لروسيا التركيز على التكنولوجيا النووية وتصميم المفاعلات، بينما تتولى الشركات الكورية قطاعات واسعة من المنظومة الهندسية التقليدية للمحطة.
وتشير المعلومات المرتبطة بالمشروع إلى أن شركات كورية تولت أيضًا مهام كانت مرتبطة في السابق بشركات أمريكية، من بينها «General Electric»، التي تراجعت مشاركتها بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
لماذا تهم المشاركة الكورية مصر؟
بالنسبة إلى القاهرة، يوفر وجود شريك كوري جنوبي وسيلة لتقليل بعض المخاطر المرتبطة بالاعتماد الكامل على الشركات الروسية، خصوصًا في القطاعات التي لا تتطلب التكنولوجيا النووية الروسية.
ولا يعني ذلك أن كوريا الجنوبية أصبحت بديلًا لروسيا في الضبعة؛ فموسكو لا تزال الطرف الرئيسي المسؤول عن التكنولوجيا النووية والمقاول العام للمشروع. لكن الدور الكوري يضيف تنوعًا إلى هيكل التوريد، ويمنح مصر مرونة أكبر في تأمين المعدات والخدمات الهندسية.
ولا يتوقف التعاون عند التصميم الحالي. فالحكومة المصرية تدرس إمكانية توسيع محطة الضبعة لتضم ستة أو حتى ثمانية مفاعلات بدلًا من أربعة. وكان وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت قد أعلن أن القاهرة تبحث إضافة مفاعلين على الأقل، وهو ما قد يرفع القدرة الإجمالية إلى نحو 9.6 غيغاواط في حال تنفيذ التوسع.
وقد تدخل المفاعلات الإضافية الخدمة تدريجيًا بحلول عام 2040، ما يعزز مكانة الطاقة النووية في مزيج الطاقة المصري، في إطار استراتيجية تنويع مصادر الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، خصوصًا الغاز الطبيعي.
وعند تشغيل المفاعلات الأربعة الأساسية، ستضيف المحطة 4.8 غيغاواط إلى الشبكة الوطنية، مع توقعات بأن تسهم في توفير أكثر من 10% من احتياجات مصر من الكهرباء، وفق التقديرات المرتبطة بالمشروع.
ويمنح الاعتماد على الطاقة النووية القاهرة مصدرًا مستقرًا للكهرباء أقل ارتباطًا بتقلبات أسعار الغاز وتوافر الوقود الأحفوري، إلى جانب مساهمته في تنويع مزيج الطاقة وخفض الانبعاثات.
روسيا تحتفظ بالدور المحوري
رغم تنامي الدور الكوري، تظل موسكو صاحبة الدور الأساسي في المشروع. فشركة «روساتوم» مسؤولة عن التكنولوجيا النووية وتعمل مقاولًا عامًا، فيما تظل مفاعلات VVER-1200 جوهر المشروع.
كما يعود التعاون النووي المصري الروسي إلى اتفاقات إضافية وقعت عام 2017، شملت التعاون في مجال الوقود النووي وإنشاء منشأة لتخزين الوقود المستهلك، مع ترتيبات لإعادة معالجته في روسيا.
وبذلك، تبدو معادلة الضبعة قائمة على تكامل الأدوار لا استبدال طرف بآخر: روسيا توفر التكنولوجيا النووية، وكوريا الجنوبية تقدم المعدات والخبرات في قطاعات واسعة من البنية التقليدية، بينما تستفيد مصر من الجمع بين الطرفين لتقليل مخاطر اضطرابات سلاسل الإمداد.
وإذا مضت القاهرة في إضافة مفاعلات جديدة، فإن أهمية هذا التنوع ستزداد، مع ارتفاع حجم العقود والمعدات والخبرات المطلوبة. ومن ثم، لا تبدو المشاركة الكورية مجرد مساهمة فنية محدودة، بل أحد العوامل التي قد تساعد مشروع الضبعة على مواصلة التقدم في بيئة دولية شديدة التعقيد.