سدود إثيوبيا الجديدة تشعل معركة النيل والنفوذ بالقرن الأفريقي.. وواشنطن تبشر بعودة الوساطة
أعادت خطط إثيوبيا لبناء 3 سدود كهرومائية إضافية على النيل الأزرق فتح واحد من أكثر النزاعات الجيوسياسية استعصاء في أفريقيا، بعد أقل من عام على تدشين أديس أبابا رسميًا سد النهضة الإثيوبي الكبير في سبتمبر 2025 (ميديا لاين، أمريكية)، وبالنسبة لمصر تظل المسألة قضية أمن مائي وطني، بينما ترتبط بالنسبة لإثيوبيا بالسيادة وتوليد الكهرباء والتنمية الاقتصادية، وفقًا لموقع ميديا لاين الأمريكي.
كارادوبي ومانداي وبيكو أبو.. هندسة مصممة لمضاعفة الأثر؟ أم لإحكام السيطرة؟
وأشار الموقع الأمريكي إلى أن السدود الثلاثة الجديدة، التي تحمل أسماء كارادوبي ومانداي وبيكو أبو، صممت وفقا لمزاعم أديس أبابا، بالتناغم مع سد النهضة، إذ يلتقط كارادوبي الرواسب القادمة من أعلى النهر لإطالة العمر التشغيلي لسد النهضة، بينما يوفر مانداي طاقة أساسية على مدار العام، ويستغل بيكو أبو أضيق ممر صخري للنيل الأزرق لتعظيم الضغط الهيدروليكي، باستثمار إجمالي يبلغ 10.5 مليار دولار.
ولكن خبراء الموارد المائية، وفقا لموقع “ميدل إيست فورم” يحذرون من أن هذه السدود، التي تتراوح سعة كل منها بين 30 و40 مليار متر مكعب مقارنة بـ75 مليار متر مكعب لسد النهضة، تنذر بتغيير جذري يمنح إثيوبيا سيطرة كاملة على تدفق النيل للدول الواقعة أسفل مجراه.
حرب كلمات لا تزال بعيدة عن السلاح
يصف وليد قزيحة، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، المرحلة الحالية بأنها خطيرة لكنها لا تزال محصورة داخل القنوات الدبلوماسية والقانونية، موضحًا أن رد الفعل المصري "يقتصر على إصدار بيانات والتركيز على الانتهاكات القانونية بموجب القانون الدولي ورفض أي ترتيبات أحادية، دون أي نبرة عسكرية مباشرة".
واشتدت التحذيرات المصرية خلال الصيف الحالي، إذ رفض وزير الخارجية بدر عبدالعاطي في 13 يوليو تقارير عن بناء إضافي أحادي الجانب، مؤكدا احتفاظ مصر بـ"حق الدفاع الشرعي عن النفس وفقا لقواعد القانون الدولي"، فيما صرح مسؤول حكومي مصري لوكالة أنباء الشرق الأوسط في 16 أغسطس بأن القاهرة تمتلك "عدة وسائل تحت تصرفها" لحماية مصالحها ولن تسمح لأي دولة بالسيطرة على تدفق النهر.
مزاعم السيادة الإثيوبية مقابل حقائق الأمن القومي المصرية: قراءتان متعارضتان
ولا يزال ملف السد الإثيوبي المثير للجدل عالقا بين مزاعم السيادة الإثيوبية مقابل حقائق الأمن القومي المصرية، في قراءتين متعارضتين، إذ يمتد الخلاف لما هو أبعد من تشغيل السدود، ليشمل التساؤل حول الإطار القانوني الحاكم للنهر أصلًا، فاتفاقية النيل الإطارية التعاونية دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2024 بعد تصديق 6 دول منبع عليها، لكن مصر والسودان لم تصدقا عليها ولا تلتزمان بها، ما يترك انقساما جوهريا بين تفسيرات دول المنبع والمصب.
واشنطن تعرض الوساطة.. وأديس أبابا تعلن التحفظ
أكد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس استعداد واشنطن لتيسير استئناف المحادثات الثلاثية وتقديم دعم فني، امتدادًا لرسالة سابقة بعثها ترامب للسيسي في يناير، أكد فيها استعداده لإعادة إطلاق الوساطة لحل مسألة تقاسم مياه النيل نهائيا، ورحب الرئيس عبدالفتاح السيسي علنا بالمبادرة الأمريكية، وفقًا لموقع أوول أفريكا".
في المقابل، تراوغ إثيوبيا رسميا بشأن هذه المبادرة، مفضلة ما تسميه "أطرا أفريقية خالصة"، بعدما انهارت محاولة وساطة أمريكية سابقة عام 2020 بسبب رفض أديس أبابا التوقيع على مسودة اتفاق وقعته القاهرة بالفعل. ويرى قزيحة أن مصر قد تسعى لاحقا لتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم أنه "أرسل في الماضي إشارات مطمئنة للقاهرة، لكنه لم يتخذ خطوات جدية نحو الوساطة وتسوية الخلاف الرئيسي".
"لا تحالفات ثابتة".. تعايش الصراع والتعاون
رغم هذا الاستقطاب، لا تنتج العلاقات انقساما لمعسكرات ثابتة، إذ تحافظ إثيوبيا على علاقات مع قوى متنافسة كالإمارات وتركيا معا، بينما تتعامل مصر مع دول قد تتعارض مصالحها في ساحات أخرى، وسط غياب خطر مواجهة مباشرة وشيكة، لكن الوضع الراهن أقرب إلى "حرب نصريحات" متبادلة وسط استمرار الصلف الإثيوبي قد تستدعي تدخلا أمريكيا قبل أن تتفاقم الخلافات لتطورات أو تداعيات أكثر خطورة.