السيولة المحلية تتراجع 0.4% لأول مرة منذ 9 سنوات.. هل يقترب خفض الفائدة؟
رصدت بيانات البنك المركزي تراجع مؤشر السيولة المحلية لأول مرة منذ 9 سنوات كاملة، بنسبة 0.4% على أساس شهري لتصل لنحو 15.26 تريليون جنيه، رغم أنها ظلت أعلى بنسبة 16.7% مقارنة بمستواها في الشهر ذاته من العام الماضي، وفقًا لبلومبرج.
واعتبر بعض الخبراء المصرفيين هذا التراجع دليلا على نجاح السياسة النقدية المتشددة في كبح السيولة والضغوط التضخمية، ومؤشرا على احتمال قرب استئناف خفض سعر الفائدة للمرة الأولى منذ اندلاع حرب إيران. لكن قراءة مكونات البيانات نفسها تكشف صورة مختلفة تماما، إذ جاء الانخفاض رغم ارتفاع الودائع بالجنيه وبالعملات الأجنبية معا، ما يجعل تحرك سعر الصرف مفتاحا أساسيا لفهم الرقم.
M2.. ما الذي يقيسه المؤشر فعليًا؟
المقصود بالسيولة هو المعروض النقدي الواسع المعروف بـ"M2"، ويضم النقد المتداول خارج البنوك، والودائع بالجنيه، إضافة للودائع بالعملات الأجنبية بعد تحويل قيمتها للجنيه، وهنا تحديدا تبرز أهمية سعر الصرف، فارتفاع الجنيه أمام الدولار يخفض القيمة المحاسبية للودائع الدولارية عند تحويلها للجنيه، حتى لو لم يسحب عميل واحد أي مبلغ من حسابه.
دولار أرخص بـ3 جنيهات يقلب المعادلة محاسبيًا
هذا بالضبط ما حدث في يونيو، فبالتزامن مع انخفاض متوسط سعر الدولار من نحو 52.33 جنيه في مايو إلى 49.28 جنيه، ارتفع إجمالي الودائع بالعملات الأجنبية لدى البنوك، باستثناء البنك المركزي، بنسبة 1.2% شهريا لتصل إلى 66.24 مليار دولار، لكن قيمتها بالجنيه تراجعت بفعل سعر الصرف فقط.
وفي الوقت نفسه زادت الودائع بالعملة المحلية بنسبة 1.7% لتصل لنحو 10.35 تريليون جنيه، بينما ساهم هبوط النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي بنحو 88 مليار جنيه خلال الشهر في سحب المؤشر الإجمالي للأسفل.
وبذلك، فإن ارتفاع الودائع الأجنبية مقاسة بالدولار، إلى جانب زيادة الودائع بالعملة المحلية، لا يشيران لانكماش فعلي في الودائع أو لسحب واسع للسيولة.
خبراء مصرفيون: "ليس تراجعًا حقيقيًا"
نقلت بلومبرج عن خبراء مصرفيين قولهم إن تقلبات سعر الصرف خلال فترة الحرب انعكست مباشرة على أرقام السيولة المحلية، لأن جزءا من الودائع المصرفية مقوّم بالدولار أصلًا.
وأوضح المراقبون أن ارتفاع الجنيه يخفض القيمة المسجلة لهذه الودائع عند تحويلها للعملة المحلية، ولذلك فإن انخفاض المعروض النقدي في يونيو "ليس تراجعا حقيقيا" بقدر ما هو انعكاس لحركة سعر الصرف وحدها.
ويتفق محللون آخرون مع هذا التفسير، إذ يرون أن إعادة تقييم الودائع بالعملات الأجنبية كانت العامل الرئيسي وراء انخفاض السيولة، مشيرين إلى أن الودائع بالجنيه لم تنخفض فعليا على الإطلاق.
هل يستهدف المركزي هذا المؤشر أصلًا؟
لا يعمل البنك المركزي المصري حاليا وفق نظام يستهدف فيه مستوى محددا للمعروض النقدي الواسع أو معدل نمو ثابتا له كهدف رئيسي للسياسة النقدية، إذ يركز الإطار النقدي في مصر على استهداف التضخم، مستخدما أسعار الفائدة وأدوات إدارة السيولة للتأثير على الائتمان والإنفاق والطلب والأسعار.
وقد يمتص البنك المركزي فائض السيولة لدى البنوك بهدف إبقاء أسعار الفائدة قصيرة الأجل عند المستويات التي يراها مناسبة، لكن هذا لا يعني أن كل انخفاض في المؤشر يمثل بالضرورة نتيجة مباشرة لعملية سحب سيولة متعمدة.
ومع ذلك، رصد تقرير صندوق النقد الدولي الأخير عن الاقتصاد المصري، الصادر هذا الشهر، تباطؤا في نمو المعدل السنوي للمؤشر منذ فبراير 2025 كأحد الدلائل الداعمة لانحسار المسار التضخمي، إذ بلغ متوسط نمو المعروض النقدي 18.9% بين يناير ومايو 2026 مقابل 22.1% في النصف الثاني من 2025، مدفوعا بشكل أساسي بتراجع مساهمة صافي المطالبات على القطاع العام.
لماذا ربط البعض الرقم باحتمال خفض الفائدة؟
رغم كل هذه التحفظات على تفسير البيانات، رأى بعض المصرفيين أن انخفاض السيولة قد يشير لتحسن في السيطرة على الضغوط التضخمية، وربما يفتح المجال أمام خفض أسعار الفائدة في الاجتماعات المقبلة.
ويرى خبراء مصرفيون أن تراجع السيولة قد يعكس نجاح السياسة النقدية المتشددة في احتواء التضخم، مضيفين أن استمرار هذا الاتجاه قد يمنح البنك المركزي مساحة لخفض الفائدة مستقبلا.
كما يرى مراقبون في القطاع المصرفي أن تراجع السيولة قد يدعم إمكانية خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي مستقبلا، وهي خطوة قد تحرر جزءا من الأموال المجمدة لدى البنك المركزي، وتمنح البنوك قدرة أكبر على التوسع في الإقراض.
ويكتسب خفض الاحتياطي الإلزامي أهمية خاصة للبنوك في المرحلة الحالية، مع ارتفاع الطلب على التمويل وزيادة نسبة القروض إلى الودائع خلال العامين الماضيين، ما عزز المنافسة بينها على جذب ودائع جديدة بالجنيه.
قراءة شهر واحد لا تكفي لحسم القرار
ولفتت بلومبرج إلى أن الانتقال من قراءة شهرية واحدة للمعروض النقدي لتوقع خفض الفائدة يظل استنتاجا مبكرا، فقرارات البنك المركزي تعتمد على مجموعة أوسع بكثير من المؤشرات، تشمل مسار التضخم المتوقع، ومستوى أسعار الفائدة الحقيقية، وتحركات سعر الصرف، وأسعار الطاقة والسلع، وقوة الطلب المحلي، ومخاطر عودة الضغوط الخارجية أو الجيوسياسية.
وأبقى المركزي أسعار الفائدة دون تغيير في يوليو للمرة الثالثة على التوالي، عند 19% للإيداع و20% للإقراض و19.5% لسعر العملية الرئيسية، وسط استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة وعدم يقين مرتبط بالحرب.
كما أبقى البنك على تقديراته باقتراب التضخم من مستهدفاته خلال النصف الثاني من 2027، رغم تحسن نظرته لمسار الأسعار خلال الأشهر الأخيرة.