هدي النبي في قيام الليل.. مختار جمعة يوضح كيف وازن الإسلام بين العبادة والعمل
كشف الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، عن جانب من الأحكام والهدي النبوي الشريف المتعلق بقيام الليل، موضحًا كيفية تحقيق الإسلام للتوازن بين العبادة خلال ساعات الليل وبين الراحة والعمل خلال النهار، ومؤكدًا أن حقيقة العبادة لا ترتبط بكثرة الأعداد أو المظاهر، وإنما تقوم على الإخلاص والصدق والخشوع وحسن العمل.
وأوضح الدكتور محمد مختار جمعة، خلال تصريحات تلفزيونية، أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل كان يقوم على الاعتدال والتوازن، مشيرًا إلى أن الثابت عنه أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة في قيام الليل، سواء خلال شهر رمضان أو في غيره.
مختار جمعة يوضح عدد ركعات قيام الليل
وأشار وزير الأوقاف السابق إلى أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم اشتمل على صلاة ثماني ركعات ثم الوتر بثلاث ركعات، مؤكدًا أن المقصود من قيام الليل ليس التنافس في عدد الركعات، وإنما تحقيق الخشوع وحضور القلب وصدق النية.
وأوضح أن المسلم الذي يفتح الله عليه في تلاوة القرآن ويطيل القراءة والخشوع، حتى لو أدى عددًا أقل من الركعات، فإنه يستطيع أن ينال الخير والأجر، طالما كان حريصًا على الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم قدر استطاعته.
وشدد على أن العبادة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أرقام أو مظاهر خارجية، لأن قيمة العمل ترتبط بالنية والإخلاص ومدى تأثير العبادة في سلوك الإنسان وأخلاقه وتعاملاته مع الآخرين.
العبادة الظاهرة لا تكتمل دون حسن الخلق
وأكد الدكتور محمد مختار جمعة أن العبادة الظاهرة إذا انفصلت عن الأمانة والصدق وحسن الخلق فإنها تفقد جانبًا أساسيًا من جوهرها، مشيرًا إلى أن الإسلام لا ينظر إلى الصلاة والصيام وسائر العبادات باعتبارها ممارسات منفصلة عن حياة الإنسان وسلوكه اليومي.
واستشهد في هذا السياق بموقف منسوب إلى الإمام عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، عندما طاف بالكعبة وصلى ركعتين خفيفتين، فاستنكر أحد الأشخاص قصر صلاته، فرد عليه ابن عمر ببيان أهمية الأخلاق والأمانة والصدق في ميزان الدين.
وأوضح أن المعنى المستفاد من هذا الموقف يتمثل في أن التفوق في عدد العبادات لا يعني بالضرورة التفوق في حقيقة التدين، إذا لم يرافق ذلك حسن الخلق وصدق الحديث وأداء الأمانة.
مختار جمعة يحذر من الفصل بين العبادة والسلوك
وحذر وزير الأوقاف السابق من وجود انفصال بين العبادة الظاهرة وسلوك الإنسان في حياته اليومية، مؤكدًا أن المسلم الذي يحرص على الصلاة والصيام وسائر الشعائر، لكنه في الوقت نفسه يظلم الناس أو يأكل حقوقهم أو لا يلتزم بالصدق والأمانة، لا يقدم الصورة الصحيحة عن الإسلام.
وأشار إلى أن السلوك السيئ قد يؤدي إلى تنفير الآخرين من الدين، لأن تعامل الإنسان مع الناس يمثل جانبًا مهمًا من الصورة التي تتكون لديهم عن القيم الإسلامية.
وأكد أن حسن الخلق ليس أمرًا هامشيًا في حياة المسلم، وإنما يمثل جزءًا أصيلًا من حقيقة التدين، مشيرًا إلى أن الإنسان الذي يجمع بين العبادة وحسن التعامل والصدق والأمانة يحقق التوازن الذي دعا إليه الإسلام.
الخشوع والخوف من عدم قبول العبادة
وتطرق الدكتور محمد مختار جمعة إلى معنى الخشوع والخوف من عدم قبول العمل، مستشهدًا بالآية الكريمة: «والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة»، موضحًا أن المؤمن قد يؤدي العبادة ويجتهد في الطاعة، لكنه يظل خائفًا من عدم قبول عمله.
وأشار إلى أن هذا الشعور لا ينبغي أن يدفع المسلم إلى ترك العبادة أو التقليل منها، وإنما يحفزه على الإخلاص ومراجعة النفس وتحسين العمل والسلوك.
وأكد أن الهدف من العبادة هو إصلاح الإنسان من الداخل والخارج، بحيث تنعكس الصلاة والصيام والقيام والصدقة وغيرها من الأعمال الصالحة على أخلاقه وتعاملاته وعلاقته بالمجتمع.
هدي النبي في تنظيم قيام الليل
وفيما يتعلق بتنظيم الوقت بين العبادة والراحة، استشهد الدكتور محمد مختار جمعة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أحب الصلاة إلى الله، وهي صلاة داود عليه السلام، موضحًا أنها تقوم على تقسيم الليل بصورة تحقق التوازن بين النوم والقيام والراحة قبل الفجر.
وأوضح أن هذا الهدي يقوم على النوم في جزء من الليل، ثم القيام والتهجد في جزء آخر، ثم العودة إلى النوم لفترة قبل الفجر، بما يمنح الإنسان فرصة للراحة واستعادة نشاطه والاستعداد لليوم الجديد.
ويكشف هذا التنظيم عن نظرة الإسلام المتوازنة إلى احتياجات الإنسان، حيث لا يطلب من المسلم إهمال جسده أو تعطيل مسؤولياته اليومية من أجل العبادة، وإنما يجمع بين حق الروح في الطاعة وحق الجسد في الراحة.
الإسلام يوازن بين العبادة والعمل
وأكد وزير الأوقاف السابق أن الإسلام لا يقوم على فكرة الانقطاع الكامل عن الحياة، وإنما يوازن بين العبادة والسعي في الأرض والعمل وتحمل المسؤوليات.
فالإنسان يحتاج إلى الراحة حتى يستطيع الاستمرار في العبادة والعمل، كما يحتاج إلى العمل والسعي حتى يؤدي مسؤولياته تجاه أسرته ومجتمعه.
ومن هذا المنطلق، فإن قيام الليل لا ينبغي أن يتحول إلى سبب في إرهاق الإنسان بصورة تمنعه من أداء عمله أو القيام بواجباته خلال النهار، بل ينبغي تنظيم الوقت بطريقة تحقق أكبر قدر من الاستفادة الروحية دون الإضرار بالجسد.
البركة في وقت البكور
وأشار الدكتور محمد مختار جمعة إلى أهمية وقت البكور في حياة المسلم، موضحًا أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم كان يتضمن الجلوس بعد صلاة الفجر في جماعة للذكر وقراءة القرآن حتى طلوع الشمس.
وأضاف أن المسلم يمكنه بعد ذلك أداء صلاة الضحى، ثم الانطلاق إلى العمل وطلب الرزق والسعي في مصالح الحياة.
ويعكس ذلك مفهومًا متوازنًا للوقت، حيث تبدأ ساعات اليوم بالعبادة والذكر، ثم ينتقل الإنسان إلى العمل والإنتاج وتحمل المسؤوليات، بما يجعل العبادة دافعًا للنشاط والإيجابية وليس سببًا لتعطيل الحياة.
وتعد عبادة قيام الليل من العبادات التي تحمل مكانة كبيرة في حياة المسلم، إلا أن الاستمرارية فيها تظل من أهم المعاني التي ينبغي مراعاتها، بدلًا من تحميل النفس فوق طاقتها ثم الانقطاع عن العبادة.
ويشير الهدي النبوي إلى أهمية الاعتدال في العبادة، بحيث يستطيع الإنسان المحافظة على الطاعة والاستمرار فيها، مع مراعاة حاجته إلى النوم والراحة والعمل.
ومن هنا فإن المسلم الذي يريد المحافظة على قيام الليل يمكنه تنظيم وقته بما يتناسب مع ظروفه وقدرته، مع الحرص على الإخلاص والخشوع وعدم تحويل العبادة إلى مجرد منافسة في عدد الركعات.