< صراع النفوذ يتصاعد في طهران.. بزشكيان يرفض الاستقالة وسط ضغوط المتشددين
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

صراع النفوذ يتصاعد في طهران.. بزشكيان يرفض الاستقالة وسط ضغوط المتشددين

 بزشكيان
بزشكيان

خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليحسم الجدل قائلًا: "لن أستقيل". لم يكن ذلك مجرد نفي لشائعة، بل رسالة سياسية مباشرة وسط تصاعد الحديث عن صراع محتدم داخل هرم السلطة الإيرانية. فحين يضطر رئيس الجمهورية إلى نفي استقالته بنفسه، فإن ذلك يعكس حجم الضغوط التي تحيط به، ويكشف أن الأزمة تجاوزت حدود التسريبات إلى قلب النظام، وفقا لصحيفة إيران إنترناشيونال.

من شائعة استقالة إلى معركة على السلطة

بدأت الأزمة تتبلور في مطلع يونيو 2026، عندما كشفت إيران إنترناشيونال أن بزشكيان بعث برسالة إلى مكتب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي يطلب فيها التنحي، مبررًا ذلك بأن مؤسسات الدولة لم تعد تُدار عبر القنوات الدستورية، وأن الحرس الثوري استحوذ فعليًا على مفاصل القرار السياسي والعسكري، بينما تحولت الحكومة إلى واجهة بلا نفوذ.

ووفق الرسالة، فإن الرئيس رأى نفسه عاجزًا عن تنفيذ صلاحياته الدستورية بعدما أصبحت الملفات الكبرى تُدار خارج مؤسسة الرئاسة. وسارعت السلطات إلى نفي الرواية، إذ وصف رئيس لجنة الإعلام الحكومي إلياس حضرتي الأنباء بأنها "كاذبة بالكامل"، بينما اتهمت وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري وسائل الإعلام المعارضة بتلفيق القصة. 

لكن الجدل لم يتوقف. فظهر بزشكيان في مقطع مصور نشرته الرئاسة الإيرانية ليؤكد: "إذا استقلت فسأعلن ذلك رسميًا. لن أستقيل وسأواصل الوقوف والمواجهة." كما شدد على أن حكومته تعمل "بتنسيق كامل مع القوات المسلحة"، نافيًا وجود خلاف مع المرشد أو المؤسسة العسكرية بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه وصف مكتبه الروايات المتداولة بأنها "كذب محض"، بينما اتهم مساعده الإعلامي سيد مهدي طباطبائي خصوم الحكومة بمحاولة "الانتقام من إرادة الشعب". 

الحرس الثوري يوسع نفوذه

بعيدًا عن بيانات النفي، ترسم التقارير صورة مختلفة. فمنذ وفاة علي خامنئي في فبراير 2026 وتولي نجله مجتبى منصب المرشد، توسع نفوذ الحرس الثوري بصورة لافتة، إذ جرى تعطيل تعيينات وزارية، أبرزها وزارة الاستخبارات، وإنشاء هياكل عسكرية تتولى رسم السياسات الاستراتيجية بعيدًا عن الحكومة المنتخبة.

ويرجع مراقبون جذور الخلاف إلى إدارة الحرب مع الولايات المتحدة وتداعياتها الاقتصادية، حيث يطالب جناح داخل الحكومة بخفض التصعيد واستعادة المسار الدبلوماسي، بينما يدفع التيار المتشدد نحو المواجهة المفتوحة، حتى لو كان الثمن مزيدًا من الضغوط الاقتصادية.

ولخص وزير النقل الإيراني السابق عباس آخوندي الأزمة بعبارة لافتة عندما كتب: "بزشكيان هو الرئيس والقائد العام... عليه أن يقول للجميع: أنتم تحت إمرتي." إلا أن التطورات تشير إلى أن موازين القوى على الأرض لا تمنحه هذه القدرة.

مجتبى... الغائب الحاضر

يزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار غياب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي عن الظهور العلني منذ أشهر، رغم الحرب والتوترات الإقليمية المتصاعدة. هذا الغياب لم يمنع اسمه من التحول إلى ورقة تستخدمها مختلف الأجنحة لتبرير مواقفها أو مهاجمة خصومها.

وفي هذا السياق، أكد محمد باقر خرازي، الأمين العام ل"حزب الله إيران"، أن مجتبى خامنئي أبلغ مقربين منه بأن أي محاولة جديدة من بزشكيان للاستقالة "ستُقبل هذه المرة". كما ادعى أن الرئيس لوّح بالاستقالة أو أعد مسودتها 28 مرة، وأن تغييرات واسعة يجري إعدادها داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، بينها احتمال تعيين محسن رضائي رئيسًا للمجلس وإبعاد وزير الخارجية عباس عراقجي عن ملف التفاوض.

ورغم عدم وجود تأكيد رسمي لهذه المزاعم، فإنها أشعلت سجالًا سياسيًا واسعًا، دفع النائب المتشدد حميد رسائي إلى تحدي الرئيس قائلًا إن أفضل وسيلة لإثبات كذب خرازي هي أن يتقدم بزشكيان باستقالته مجددًا.

مجلس الخبراء يدخل على الخط

وقبل يوم واحد فقط من ظهور بزشكيان، أصدرت هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة بيانًا شديد اللهجة أعلنت فيه دعمها الكامل لمواقف مجتبى خامنئي، وهاجمت بقوة أي حديث عن استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة.

ووصف البيان الدعوات إلى التسوية بأنها "همسات استسلام" تمثل "خيانة لا تُغتفر"، مؤكدًا أن الجهات المختصة مطالبة قانونيًا بالتصدي لها، كما شدد على ضرورة مواصلة "الانتقام" وعدم الرهان على أي تفاهم مع واشنطن.

وجاء ذلك بعد ساعات فقط من رسالة نشرها بزشكيان اعتبر فيها أن "مذكرة إسلام آباد" تمثل ثمرة الحكمة الجماعية للمجلس الأعلى للأمن القومي، داعيًا إلى إلزام الولايات المتحدة بتنفيذ تعهداتها، وهو ما كشف حجم التباين بين خطاب الرئاسة وخطاب المؤسسة الدينية المحافظة.

تيار الحرب يرفع صوته

في موازاة ذلك، استغل التيار الأكثر تشددًا مراسم تشييع علي خامنئي لترسيخ نفوذه، إذ ردد أنصاره شعارات تدعو إلى الانتقام من الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما حظي سعيد جليلي باستقبال حاشد ترافق مع هتافات ضد بزشكيان تحت شعار "الموت للمساوم".

كما كثفت وسائل الإعلام الرسمية والبرامج التلفزيونية المقربة من المتشددين حملتها ضد أي دعوات لاستئناف التفاوض، وروجت لفكرة أن إيران "على أعتاب تحقيق نصر كامل"، في حين قُطع البث المباشر أكثر من مرة لمسؤولين تحدثوا بإيجابية عن الحوار مع واشنطن، بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وكذلك بزشكيان نفسه عندما أشار إلى أن علي خامنئي كان قد وافق قبل وفاته على استئاف المفاوضات.