المصانع الأوروبية تبحث عن موطن جديد.. هل تقتنص مصر الفرصة؟
بينما تنشغل أوروبا بإعادة هيكلة قطاعها الصناعي تحت ضغط ارتفاع أسعار الطاقة، وتشديد المعايير البيئية، واشتداد المنافسة العالمية، تسارع دول عديدة إلى استغلال الفرص التي أفرزتها هذه التحولات.
وفي المقابل، يظل التركيز في مصر منصبًا بدرجة كبيرة على جذب استثمارات صناعية جديدة، رغم وجود فرصة موازية قد تكون أسرع وأقل تكلفة، تتمثل في استقطاب المصانع الأوروبية ونقلها بالكامل، خاصةً في ظل بحثها الدؤوب عن وجهات إنتاج جديدة، وفقًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.
عندما يغادر المصنع.. لا تنتهي قيمته
وأشارت الصحيفة إلى أن إغلاق مصنع في أوروبا لا يعني بالضرورة نهاية عمره الإنتاجي، ففي كثير من الحالات، تظل خطوط الإنتاج والمعدات وأنظمة التشغيل أصولا صناعية عالية القيمة، يمكن نقلها وإعادة تشغيلها في دولة تمتلك بيئة إنتاج أكثر تنافسية، لتبدأ دورة اقتصادية جديدة بدلا من تفكيكها أو التخلص منها.
تجارب ناجحة تستحق الدراسة
أدركت الصين هذه الحقيقة مبكرا، فاستوردت خلال العقود الماضية مصانع كاملة من أوروبا وأعادت تشغيلها، بينما سلكت الهند المسار نفسه في عدد من القطاعات الصناعية، ولم يكن الهدف مجرد شراء معدات، بل اختصار سنوات من الاستثمار، واكتساب التكنولوجيا، والاستفادة من الخبرات المتراكمة.
فرص يمكن أن تستفيد منها مصر
في مصر، يبدأ المشروع الصناعي غالبا من نقطة الصفر، بشراء الأرض، وبناء المصنع، واستيراد المعدات، وتدريب العمالة، وهي عملية تستغرق سنوات وتتطلب استثمارات كبيرة. أما استقطاب مصنع قائم، فقد يوفر كثيرا من الوقت والتكلفة، ويمنح الصناعة المحلية دفعة سريعة في التكنولوجيا والإنتاج.
المطلوب ليس التمويل.. بل سرعة التحرك
ولفتت الإندبندنت إلى أن التحدي لا يكمن في نقص الإمكانات، وإنما في غياب آلية مؤسسية ترصد المصانع الأوروبية التي تعلن عن إعادة الهيكلة أو الإغلاق، وتتحرك للتواصل معها قبل أن تستحوذ عليها دول أخرى.
وقد يكون من المفيد إنشاء وحدة متخصصة تضم ممثلين عن وزارات الصناعة والاستثمار والتجارة والخارجية، تتولى متابعة هذه الفرص، وإعداد قاعدة بيانات بالمصانع القابلة للنقل، وتقييم مدى ملاءمتها للاقتصاد المصري، ثم التنسيق مع المستثمرين لتسهيل عمليات الاستحواذ وإعادة التشغيل.
الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص
لا يتطلب هذا النموذج أن تتحمل الدولة تكلفة شراء المصانع، بل يقتصر دورها على التنسيق، وتوفير المعلومات، وتسهيل الإجراءات، بينما يتولى القطاع الخاص المصري أو المستثمرون العرب عمليات الشراء والتشغيل، بما يحقق مصلحة جميع الأطراف.
سباق عالمي لا ينتظر المتردد
يشهد العالم حاليا واحدة من أكبر موجات إعادة توزيع النشاط الصناعي منذ عقود. والدول التي تتحرك مبكرا لن تكسب مصانع جاهزة فقط، بل ستحصل أيضا على التكنولوجيا، والخبرات، وسلاسل التوريد، وفرص العمل، وزيادة القدرة التصديرية.
قبل أن تتحول الفرص إلى فرص ضائعة
تمتلك مصر موقعا جغرافيا متميزا، وبنية تحتية صناعية تتطور باستمرار، واتفاقيات تجارية تمنحها مزايا تنافسية في الوصول إلى أسواق عديدة، ومع توافر هذه المقومات، قد يكون الوقت مناسبا لإضافة مسار جديد إلى استراتيجية التنمية الصناعية، يقوم على استقطاب المصانع الأوروبية التي تبحث عن موطن جديد. فالفرص لا تبقى متاحة إلى الأبد، ومن يسبق إلى اقتناصها اليوم، سيحصد ثمارها الاقتصادية لسنوات طويلة.
التجارب الناجحة
لم تقتصر الاستفادة من انتقال المصانع على الصين والهند، فقد نجحت فيتنام وبولندا والمكسيك خلال السنوات الأخيرة في جذب خطوط إنتاج انتقلت من أسواق أخرى بفضل جاهزية المناطق الصناعية، وسرعة الإجراءات، والحوافز الموجهة للتصنيع والتصدير.
كما تتنافس دول أوروبية مثل إسبانيا على استقطاب مصانع جديدة لتعويض إغلاق منشآت قائمة والحفاظ على الوظائف وسلاسل الإمداد، وهو ما يؤكد أن المنافسة العالمية لم تعد تقتصر على جذب الاستثمارات الجديدة، بل تشمل أيضا اقتناص الأصول الصناعية الجاهزة قبل انتقالها إلى منافسين آخرين.