تجدد المخاوف الأوروبية من استراتيجية الانتقائية الأمريكية بالشرق الأوسط
عاد القلق الأوروبي ليطفو بقوة على سطح العلاقات عبر الأطلسي؛ فبعد أن أمضت العواصم الأوروبية شهورًا تراقب عن بعد حربًا أمريكية-إسرائيلية ضد إيران، وتتعامل مع تداعياتها الاقتصادية والأمنية، بدأت تتحدث بصراحة أكبر عن ظاهرة الانتقائية الأمريكية في إدارة ملف الشرق الأوسط، وفقا لمجلة ديرشبيجل.
لم يعد الأمر مجرد خلاف تكتيكي، بل تحول إلى مخاوف استراتيجية عميقة من أن واشنطن تعيد رسم قواعد اللعبة الإقليمية دون تشاور حقيقي مع حلفائها الأوروبيين.
حرب إيران… لحظة كاشفة
عندما قررت إدارة ترامب مع إسرائيل شن عملية عسكرية واسعة ضد إيران في أواخر فبراير 2026، فوجئ كثير من الأوروبيين بمدى محدودية التشاور المسبق. لم تتم دعوة العواصم الأوروبية الكبرى إلى طاولة القرار، ولم تمنح فرصة حقيقية للتأثير على التوقيت أو النطاق.
وفي الأسابيع التالية، أعرب الرئيس الأمريكي عن استيائه الصريح من رفض معظم الدول الأوروبية المشاركة أو السماح باستخدام قواعدها كمنصات انطلاق. تحول هذا الاستياء إلى اتهامات بالتطفل الأمني الأوروبي، وتهديدات مبطنة بإعادة النظر في الالتزامات الأمريكية داخل حلف الناتو.
وبالنسبة لكثير من المسؤولين الأوروبيين، كانت هذه اللحظة دليلًا حيًا على أن واشنطن، في عهد ترامب الثاني، ترى الشرق الأوسط ساحة يمكن أن تدار فيها السياسة الخارجية بشكل أحادي، دون الحاجة إلى "شراكة حقيقية" مع أوروبا.
استراتيجية "الارتباط الانتقائي"… أو الاستفراد بثوب جديد
وتكشف وثائق الاستراتيجية الأمريكية الصادرة في 2025-2026 عن توجه واضح نحو ما يسمى "الارتباط الانتقائي" في الشرق الأوسط. فبدلًا من الانخراط الشامل الذي ميز عقودًا سابقة، تركز واشنطن على ملفات محددة تراها أولوية (أمن إسرائيل، واحتواء إيران، وضمان تدفق الطاقة، وصفقات التطبيع)، بينما تقلل من التزاماتها في ملفات أخرى. المشكلة من وجهة النظر الأوروبية أن هذا الانتقاء يتم دون تنسيق مؤسسي، ويترك أوروبا تواجه تداعيات القرارات الأمريكية دون أن تكون شريكة في صناعتها.
وفي بروكسل وبرلين وباريس، يترجم هذا الواقع إلى مخاوف ملموسة حول ارتفاع أسعار الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز المؤقت، تدفقات هجرة محتملة، وصعوبة الحفاظ على قنوات دبلوماسية مع طهران في ظل سياسة أمريكية متشددة. كما يخشى الأوروبيون أن يؤدي الاستفراد الأمريكي إلى تعزيز نفوذ قوى أخرى مثل الصين وروسيا في الفراغات التي تتركها واشنطن عمدًا.
الناتو والشرق الأوسط… تداخل مقلق
لم تقتصر المخاوف على الملف الإقليمي وحده. فقد ربطت إدارة ترامب بشكل صريح بين ما تراه "فشل" الأوروبيين في دعم الحرب على إيران وبين نقاش أوسع حول تقاسم الأعباء داخل الناتو.
وفي قمة الحلف التي عقدت في تركيا صيف 2026، سيطرت التوترات على الأجواء. اعتبر الجانب الأمريكي أن الأوروبيين يستفيدون من الأمن الذي توفره واشنطن في الشرق الأوسط دون أن يتحملوا التكاليف، بينما رأى الأوروبيون أن واشنطن تستخدم ملف الشرق الأوسط كورقة ضغط لإجبارهم على زيادة الإنفاق الدفاعي.
هذا الربط أثار قلقًا عميقًا في العواصم الأوروبية من أن يصبح الشرق الأوسط ساحة اختبار لاستعداد واشنطن للتخلي عن بعض التزاماتها الأمنية التقليدية إذا لم تحصل على ما تريده.
هل تبحث أوروبا عن هامش استقلال؟
في مواجهة هذا الواقع، بدأت أوروبا في البحث عن أدوات تمنحها هامشًا أكبر من الاستقلالية. هناك حديث متزايد عن تعزيز الدبلوماسية الأوروبية المستقلة تجاه إيران والخليج، وتطوير آليات تنسيق أوروبي-خليجي بعيدًا عن المظلة الأمريكية المباشرة، والاستثمار في قدرات دفاعية أوروبية مشتركة تقلل الاعتماد على واشنطن.
غير أن هذه المساعي تواجه عقبات كبيرة: الانقسامات الداخلية الأوروبية، الاعتماد الاقتصادي والعسكري المستمر على الولايات المتحدة، وصعوبة بناء بديل سريع في منطقة معقدة مثل الشرق الأوسط. لكن أوروبا لا تستطيع الاعتماد الكامل على شريك أصبح أكثر أحادية، لكنها في الوقت نفسه غير قادرة بعد على الاستغناء عنه.