بعد هرمز.. لماذا أصبح البحر الأحمر الآن أكثر طرق الشحن عرضة للخطر في العالم؟
وسط تعطل الملاحة في مضيق هرمز منذ الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، تحوّل البحر الأحمر إلى المنفذ البديل الأهم لصادرات النفط الخليجية، وهو ما يرفع احتمالية إغلاق أهم ممرين بحريين للطاقة في المنطقة في وقت واحد إذا تعرّض مضيق باب المندب لأي تهديد جدي. وردًا على شلل هرمز، حولت السعودية أكثر من 70% من صادراتها اليومية المعتادة من الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لترتفع الشحنات من الميناء إلى معدل 4 ملايين برميل يوميًا في الأسابيع الأخيرة، مقارنة بنحو 973 ألف برميل يوميًا في الفترة نفسها من العام الماضي.
وشكّل هذا التحول شريان حياة لسوق الطاقة العالمي، ساعد في كبح ارتفاع أسعار النفط، وتدرس الرياض حاليًا توسيع خط أنابيب النفط الخام لديها ليصل إلى ساحل البحر الأحمر بشكل أكبر، وفقا لمجلة جيه كابتن المتخصصة في شؤون الشحن البحري.
الأرقام تكشف حجم المخاطرة
بلغ إجمالي حجم النفط العابر عبر باب المندب في يونيو الماضي 7.4 مليون برميل يوميًا، أي نحو 7% من الإنتاج العالمي للنفط، مقارنة بـ4.2 مليون برميل يوميًا في العام السابق. ويحمل هذا التحول الكبير في المسار الملاحي مخاطرة مضاعفة: فحين شن الحوثيون هجماتهم الأولى على الملاحة في البحر الأحمر عام 2023، كانت صادرات النفط الخليجي لا تزال تتدفق بحرية عبر هرمز، ما جعل تعطل الشحنات وقتها محدود الأثر. أما الآن، فالشحنات ذاتها التي كان يمكن تحويل مسارها أصبحت تحمل مباشرة من موانئ البحر الأحمر، ما يعني أن أي اضطراب جديد سيضرب المصدر لا البديل.
من هم الحوثيون؟ وهل تستطيع إيران دفعهم لإغلاق طرق الطاقة؟
نشأت جماعة الحوثي كحركة عسكرية وسياسية ودينية في شمال اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي، خاضت خلالها حروب عصابات ضد الحكومة في صنعاء. وتخوض الجماعة منذ أكثر من عقد حربًا أهلية ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية، وهاجمت جيران الخليج بالصواريخ والطائرات المسيرة.
علاقة معقدة بمحور "المقاومة" الإيراني
تعتبر إيران الحوثيين جزءًا من محورها الإقليمي الذي يضم حزب الله اللبناني والفصائل الشيعية العراقية، لكن علاقتها بالجماعة اليمنية أقل وضوحًا مقارنة بتلك الفصائل. فالحوثيون، على عكس حزب الله والمجموعات العراقية، لا يعترفون بالمرشد الأعلى الإيراني كمرجعية دينية عليا لهم، وتظل دوافعهم محلية بالأساس رغم انسجامهم الأيديولوجي مع طهران. وتقول واشنطن إن إيران سلّحت ومولت ودربت الحوثيين بمساعدة حزب الله، فيما تنفي الجماعة اليمنية كونها وكيلًا إيرانيًا، مؤكدة أنها تطوّر أسلحتها بنفسها، ويبقى من غير الواضح إلى أي مدى قد تذهب الجماعة لخدمة أجندة طهران وحدها.
حين أغلق الحوثيون البحر الأحمر أول مرة
بعد هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 والحملة الإسرائيلية المدمرة على غزة، بدأ الحوثيون استهداف إسرائيل والملاحة في البحر الأحمر، بدعوى دعم الفلسطينيين. وتسببت هذه الهجمات في اضطراب حاد بالملاحة العالمية، دفع شركات كبرى مثل ميرسك وهاباج لويد لتحويل مسار سفنها حول أفريقيا، وهو مسار أطول وأكثر كلفة بكثير.
"أصابعنا على الزناد".. الحوثيون في الحرب الإيرانية الحالية
على عكس حزب الله والفصائل العراقية التي انضمت للحرب مبكرًا بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة عقب أولى الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ظل الحوثيون هادئين نسبيًا. وقال زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي في الخامس من مارس الماضي إن أصابع مقاتليه على الزناد في أي لحظة إذا استدعت التطورات ذلك. وحذّر قادة إيرانيون مرارًا من احتمال انضمام الحوثيين للحرب، إذ صرح قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري إسماعيل قآاني في الأول من يونيو بأن الجماعة قادرة على خنق البحر الأحمر بالكامل.
1400 ميل.. الشرايين الحيوية
يمتد البحر الأحمر لمسافة 1400 ميل بين شمال شرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، ويُعد من أهم شرايين التجارة البحرية العالمية؛ إذ يمر عبره سنويًا ما بين 12% و15% من التجارة البحرية العالمية بقيمة تتجاوز تريليون دولار، فضلًا عن 30% من حركة الحاويات العالمية. كما يُعد البحر الأحمر نقطة اختناق رقمية بالغة الأهمية، إذ يمر عبره نحو 90% من الكابلات البحرية التي تربط أوروبا بآسيا، وهي كابلات وُصفت بأنها بنية تحتية سيادية لا تقل أهمية عن طرق النفط والتجارة.
تحذيرات من "الخيار النووي" الثاني لإيران
يرى خبراء الشحن أن طهران تسعى لتوسيع رقعة الصراع والضغط على واشنطن عبر تمديد التهديد إلى التجارة العالمية وإمدادات الطاقة خارج نطاق الخليج. ووصف باحثون هذا التهديد بأنه "خيار نووي" ثانٍ لإيران، لن تلجأ إليه إلا إذا خلص الحرس الثوري إلى أن العودة لحرب شاملة باتت أمرًا لا مفر منه.
الشر الأهون.. عودة حذرة للملاحة رغم كل شيء
ورغم هذه المخاطر، يصف محللون في القطاع الملاحي البحر الأحمر بأنه بات "الشر الأهون" بالنسبة لملاك السفن، إذ تفوق حالة عدم اليقين في مضيق هرمز التهديد الذي يمثله مقاتلو الحوثي. وسجّل باب المندب 1338 عبورًا للسفن في يونيو الماضي، بزيادة 39% عن العام السابق، وهو أعلى معدل شهري منذ ديسمبر 2023، فيما ارتفعت حركة الملاحة في قناة السويس بنسبة 26% خلال الفترة نفسها لتصل لأعلى مستوى منذ يناير 2024. ومع ذلك، لا يزال المشغلون يتحوطون ضد المخاطر الأمنية؛ إذ شكّلت الرحلات "المظلمة" -التي تُطفأ فيها أنظمة تتبع السفينة أو تُخفى- ما لا يقل عن 13% من حركة الملاحة عبر باب المندب في يونيو، مقارنة بـ6% فقط قبل عام، في مؤشر واضح على أن هدوء الممر الحالي هش وقابل للانهيار في أي لحظة.