حكم نهائي من «النقض» يعيد رسم قواعد الإخلاء في الإيجارات القديمة.. غلق الشقة أو المحل لعقود لا يسقط حق المستأجر| عاجل
حسمت محكمة النقض واحدة من أكثر المسائل إثارة للجدل في منازعات الإيجارات القديمة، بعدما أرست مبدأً قضائيًا جديدًا يؤكد أن مجرد غلق الشقة السكنية أو المحل التجاري وعدم استغلاله لسنوات طويلة لا يمنح المالك حق إنهاء عقد الإيجار أو إخلاء المستأجر، طالما لم يثبت قانونًا أن الأخير تخلى عن العين المؤجرة بصورة نهائية أو تنازل عن حقه فيها، مع استمرار قيامه بالتزاماته العقدية، وفي مقدمتها سداد الأجرة.
منازعات الإيجارات القديمة
يكتسب الحكم الصادر عن الدائرة المدنية والتجارية "دائرة الأربعاء (ب) إيجارات" بمحكمة النقض، بجلسة 3 يونيو 2026، في الطعن رقم 35272 لسنة 94 قضائية، أهمية خاصة باعتباره يضع حدًا لتفسيرات متباينة شهدتها بعض محاكم الموضوع بشأن اعتبار غلق العين المؤجرة لفترات طويلة قرينة على تركها، مؤكدًا أن أسباب الإخلاء الواردة بقانون إيجار الأماكن وردت على سبيل الحصر ولا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها.
نزاع استمر سنوات بين المؤجر والمستأجرة
تعود وقائع القضية إلى إقامة مالك العقار الدعوى رقم 438 لسنة 2021 إيجارات شرق الإسكندرية الابتدائية، مطالبًا بفسخ عقد إيجار محل تجاري مؤرخ في 9 يناير 1987 وإلزام المستأجرة بتسليمه، استنادًا إلى أن المحل ظل مغلقًا منذ ما يقرب من عشرين عامًا دون ممارسة أي نشاط بداخله، معتبرًا أن ذلك يمثل تركًا نهائيًا للعين المؤجرة يجيز إنهاء العلاقة الإيجارية.
وخلال نظر الدعوى، قررت المحكمة ندب خبير لبحث عناصر النزاع، وانتهى تقريره إلى أن المحل بالفعل مغلق منذ سنوات طويلة ولا يمارس فيه أي نشاط. ورغم ذلك، رأت محكمة أول درجة أن تلك الوقائع لا تكفي وحدها لإثبات أحد أسباب الإخلاء المنصوص عليها قانونًا، وقضت برفض الدعوى.
إلا أن المؤجر استأنف الحكم أمام محكمة استئناف الإسكندرية في الاستئناف رقم 3694 لسنة 80 قضائية، والتي ألغت حكم أول درجة في 11 سبتمبر 2024، وقضت بانتهاء عقد الإيجار وإلزام المستأجرة بتسليم المحل.
ولم ترتض المستأجرة هذا القضاء، فلجأت إلى محكمة النقض، التي نظرت الطعن بعد أن أوصت النيابة العامة بنقض الحكم، لتنتهي إلى إلغاء الحكم الاستئنافي وإعادة الأمور إلى ما انتهى إليه قضاء أول درجة.
النقض: عدم الاستعمال لا يعني التخلي عن العين
أكدت محكمة النقض في حيثيات حكمها أن محكمة الاستئناف أخطأت في تطبيق القانون عندما اعتبرت أن بقاء المحل مغلقًا لأكثر من عشرين عامًا يكفي بذاته للحكم بانتهاء عقد الإيجار.
وأوضحت المحكمة أن المادة 18 من قانون إيجار الأماكن رقم 136 لسنة 1981 حصرت الحالات التي يجوز فيها للمؤجر طلب الإخلاء، ومن بينها أن يتنازل المستأجر عن العين المؤجرة، أو يؤجرها من الباطن دون إذن كتابي، أو يتركها للغير بقصد الاستغناء عنها نهائيًا.
وأضافت أن المقصود بالترك في هذا النص ليس مجرد عدم استخدام العين أو غلقها، وإنما صدور تصرف قانوني واضح من المستأجر يكشف بصورة لا تقبل الشك عن استغنائه النهائي عن حقه في الانتفاع بالعين المؤجرة.
وشددت المحكمة على أن كل تصرف لا يفيد هذا المعنى لا يصلح سببًا للإخلاء، حتى ولو ظلت العين مغلقة سنوات طويلة.
الوفاء بالأجرة هو الفيصل
من أبرز ما تضمنته الحيثيات تأكيد محكمة النقض أن المستأجر ليس ملزمًا قانونًا باستغلال العين المؤجرة بصورة دائمة، وأن عدم الانتفاع بها لا يرتب بذاته أي أثر يؤدي إلى إنهاء عقد الإيجار.
وقالت المحكمة إن المستأجر يظل متمتعًا بحقه في العين المؤجرة طالما ظل ملتزمًا بتنفيذ التزاماته العقدية، وفي مقدمتها الوفاء بالأجرة.
كما استندت المحكمة إلى المادة 587 من القانون المدني، التي تعتبر سداد قسط من الأجرة قرينة على الوفاء بالأقساط السابقة ما لم يثبت العكس، وهو ما يعزز حماية المستأجر في مواجهة دعاوى الإخلاء التي تستند إلى قرائن غير كافية.
ولاحظت المحكمة أن المؤجر لم ينازع أصلًا في وفاء المستأجرة بالتزاماتها، وهو ما أسقط أحد أهم المبررات التي استند إليها الحكم الاستئنافي.
فساد في الاستدلال وخطأ في تطبيق القانون
وانتهت محكمة النقض إلى أن استناد محكمة الاستئناف إلى تقرير الخبير الذي أثبت غلق المحل لأكثر من عشرين عامًا، مع القول بعدم تقديم المستأجرة ما يثبت سداد الأجرة عن سنوات سابقة، لا يكفي قانونًا لإثبات تحقق سبب الإخلاء.
وأكدت أن تلك الوقائع لا تنهض بذاتها دليلًا على تخلي المستأجرة عن العين المؤجرة، ولا تحقق سبب الإخلاء المنصوص عليه في المادة 18 من قانون إيجار الأماكن، وهو ما جعل الحكم المطعون فيه مشوبًا بالفساد في الاستدلال والخطأ في تطبيق القانون.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة بنقض الحكم، ثم تصدت لموضوع النزاع باعتباره صالحًا للفصل فيه، وقضت برفض الاستئناف وتأييد حكم محكمة أول درجة القاضي برفض دعوى الإخلاء.
أهمية الحكم
يمثل هذا الحكم إضافة جديدة إلى المبادئ القضائية المستقرة لمحكمة النقض في منازعات الإيجارات، إذ يؤكد أن أسباب الإخلاء لا يجوز التوسع في تفسيرها، وأن القضاء لا يستطيع إضافة أسباب جديدة لم ينص عليها القانون.
كما يبعث الحكم برسالة واضحة مفادها أن غلق الشقة أو المحل، مهما طالت مدته، لا يؤدي تلقائيًا إلى سقوط حقوق المستأجر، وأن الفيصل في بقاء العلاقة الإيجارية هو ثبوت التخلي النهائي عن العين أو ارتكاب أحد أسباب الإخلاء المحددة قانونًا.
ومن المتوقع أن تستند محاكم الموضوع إلى هذا المبدأ في نظر مئات الدعاوى المشابهة، خاصة تلك التي يقيمها ملاك يطالبون بإنهاء عقود الإيجارات القديمة لمجرد أن العين ظلت مغلقة أو غير مستغلة لفترات طويلة، دون تقديم دليل على تنازل المستأجر عنها أو تركها للغير أو إخلاله بالتزاماته العقدية.
ويعيد الحكم التأكيد على أن العلاقة الإيجارية لا تنتهي بالافتراض أو بالقرائن وحدها، وإنما وفق الضوابط التي حددها المشرع، وهو ما يعزز استقرار المراكز القانونية ويحافظ على التوازن بين حقوق المؤجر وحقوق المستأجر في إطار قوانين الإيجارات الاستثنائية.
يعيد الحكم التأكيد على أن العلاقة الإيجارية لا تنتهي بالافتراض أو بالقرائن وحدها، وإنما وفق الضوابط التي حددها المشرع، وهو ما يعزز استقرار المراكز القانونية ويحافظ على التوازن بين حقوق المؤجر وحقوق المستأجر في إطار قوانين الإيجارات الاستثنائية.