< انتفاضة ضد "ازدواجية المعايير".. كيف تحولت مباراة مصر والأرجنتين إلى قضية رأي عام عالمي؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

انتفاضة ضد "ازدواجية المعايير".. كيف تحولت مباراة مصر والأرجنتين إلى قضية رأي عام عالمي؟

الرئيس نيوز

اختطفت القرارات التحكيمية بمباراة منتخب مصر أمام نظيره الأرجنتيني الأضواء، لتتحول المباراة إلى واحدة من أكثر المواجهات إثارة للجدل في تاريخ البطولة الحديث، وفقا لشبكة الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية.

فبعد تقدم المنتخب المصري بهدفين، قلبت النتيجة إلى نتيجة 3-2، لكن الحديث عقب صافرة النهاية لم يتركز على أهداف ليونيل ميسي وإنزو فرنانديز بقدر ما انصب على تقنية الفيديو (VAR)، بعدما أثار إلغاء هدف مصري ورفض مراجعة اللقطة التي سبقت هدف الفوز الأرجنتيني موجة غير مسبوقة من التساؤلات حول اتساق المعايير التحكيمية.

ولم تقتصر الاعتراضات على الجانب المصري، بل امتدت إلى محللين ولاعبين سابقين وخبراء تحكيم وشخصيات عامة من دول مختلفة، في مشهد نادر جعل الفيفا نفسها في قلب عاصفة من الانتقادات.

نيفيل وكين.. انتقاد غرف الأخبار البريطانية

 

جاءت أولى المفاجآت من استوديو شبكة ITV البريطانية، عندما سأل المذيع المحلل الإنجليزي غاري نيفيل عما إذا كان الهدف المصري الملغى كان سيُلغى أيضًا لو كانت الأرجنتين هي صاحبة الهجمة، فأجاب باقتضاب: "من غير المرجح".

ورغم أن الإجابة لم تتجاوز كلمات قليلة، فإنها انتشرت على نطاق واسع لأنها صدرت عن أحد أشهر محللي الكرة الإنجليزية، وأعادت إشعال النقاش حول ما إذا كانت المنتخبات الكبرى تحظى بمعاملة مختلفة في اللحظات الحاسمة.

ولم يختلف عن زميله روي كين كثيرًا، إذ رأى أن المنتخبات صاحبة التاريخ غالبًا ما تستفيد من القرارات التحكيمية الرمادية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن ذلك لا ينتقص من شخصية المنتخب الأرجنتيني أو قدرته على العودة في المباراة، لكنه يظل واقعًا يثير التساؤلات في البطولات الكبرى.

واكتسبت هذه التصريحات أهمية مضاعفة لأنها جاءت من محللين لا تربطهما أي علاقة بمصر، وهو ما منح الجدل بعدًا يتجاوز ردود الفعل العاطفية المعتادة عقب المباريات المثيرة.

ديل جونسون وآلان شيرر.. الأزمة ليست القرار بل المعيار

 وإذا كان نيفيل وكين قد ركزا على أثر القرارات، فإن خبراء التحكيم ركزوا على طريقة تطبيق القانون نفسها.

فقد رأى مراسل شؤون التحكيم في BBC Sport، ديل جونسون، أن المشكلة لا تتمثل في اعتبار إحدى اللقطات مخالفة من عدمه، وإنما في غياب معيار ثابت لتدخل تقنية الفيديو، مشيرًا إلى أن البطولة شهدت حالات مشابهة لم تستدع مراجعة أو تدخلًا من غرفة الـVAR.

ومن المنطلق نفسه، انتقد الهداف الإنجليزي التاريخي آلان شيرر ما وصفه بازدواجية المعايير، معتبرًا أن اللقطتين المتشابهتين كان ينبغي التعامل معهما بالطريقة نفسها. فإذا كانت المخالفة التي سبقت الهدف المصري تستوجب إلغاءه، فمن المنطقي مراجعة الاحتكاك بمحمد صلاح قبل هدف الفوز الأرجنتيني، أما إذا لم يكن الاحتكاك مؤثرًا، فمن الواجب أيضًا احتساب الهدف المصري. ولذلك، تحول النقاش من سؤال "هل القرار صحيح؟" إلى سؤال أكثر تعقيدًا: "هل طُبق القانون بالطريقة نفسها على الفريقين؟"

الإعلام الأمريكي يفتح ملف حدود تقنية الفيديو

وفي الولايات المتحدة، ركزت التغطيات على زاوية مختلفة، إذ تساءل محللو Fox Sports وعدد من كتاب الرأي عن مدى اتساع نطاق مراجعة تقنية الفيديو في المباراة.

فقد اعتبر بعضهم أن العودة إلى بداية الهجمة لإلغاء هدف مصر بعد مرور فترة زمنية طويلة نسبيًا تطرح تساؤلات حول فلسفة التقنية، التي أُنشئت أساسًا لتصحيح الأخطاء الواضحة والجسيمة، لا لإعادة تحليل كل تفاصيل الهجمة.

وفي المقابل، لم تشهد اللقطة التي سبقت هدف إنزو فرنانديز الحاسم مراجعة مماثلة، رغم مطالبة لاعبي مصر والجهاز الفني بالتدخل، وهو ما أعاد الجدل حول حدود سلطة حكم الفيديو، ومتى يجب أن يتدخل ومتى يترك القرار لحكم الساحة.

ولم تذهب بعض الصحف الأمريكية إلى حد اتهام التحكيم بالانحياز، لكنها أقرت بأن المباراة ستظل مثالًا بارزًا على صعوبة تحقيق الاتساق الكامل في تطبيق بروتوكول الـVAR، خاصة عندما تكون القرارات قادرة على تغيير مصير بطولة بأكملها، لكن صحيفة نيويورك بوست أشارت إلى غضب الجمهور المصري والعربي الذي ذهب إلى هذا الاتهام بناء على أبسط المعطيات.

تيري فلورز.. المشكلة ليست في اللقطة بل في ثبات المعايير

ومن بين أكثر التحليلات تداولًا كان ما قدمه اليوتيوبر والمحلل الكروي تيري فلورز، الذي حاول الابتعاد عن الجدل التقليدي حول صحة كل قرار، وركز على ما اعتبره جوهر الأزمة، وهو غياب الاتساق في تطبيق القانون.

وأوضح فلورز أن البطولة شهدت عشرات الحالات التي تضمنت احتكاكات خفيفة، ولمسات على الأقدام، ودفعات بالأيدي، وشدًا للقمصان، لكن الحكام سمحوا باستمرار اللعب في معظمها، كما أن تقنية الفيديو لم تتدخل إلا في الحالات الواضحة للغاية. ومن هذا المنطلق، رأى أن المشكلة لم تكن في اعتبار الاحتكاك الذي تعرض له محمد صلاح مخالفة أو عدم اعتباره كذلك، بل في تغير المعيار خلال مباراة مصر والأرجنتين.

وأشار إلى أن الهدف المصري الذي أُلغي بعد مراجعة تقنية الفيديو استند إلى مخالفة بسيطة في بداية الهجمة وقعت قبل تسجيل الهدف بنحو عشرين ثانية، في حين لم تحظ اللقطة التي سبقت هدف الفوز الأرجنتيني بالمراجعة نفسها، رغم وجود احتكاك مشابه. 

وأضاف أن الأهداف الثلاثة التي سجلتها الأرجنتين جاءت من الناحية الفنية بصورة صحيحة ولا يشكك فيها، لكن "اللحظات الصغيرة" والقرارات التحكيمية هي التي صنعت الفارق الحقيقي في المباراة.

واختتم فلورز تحليله بالتأكيد أن القضية لا تتعلق برأيه الشخصي في كل لقطة، وإنما بثبات المعايير، مشيرًا إلى أنه لو عوملت الحالتان بالطريقة نفسها لما اندلع هذا الجدل العالمي.

الجدل يتجاوز الرياضة

ولم يظل النقاش حبيس الوسط الرياضي، بل امتد إلى شخصيات سياسية وفكرية ودبلوماسية، في مشهد نادر يعكس حجم الاهتمام العالمي بالمباراة. فقد كتب محمد البرادعي أن ما جرى يمثل ضربة جديدة لمصداقية الاتحاد الدولي لكرة القدم، معتبرًا أن مثل هذه الوقائع تضعف ثقة الجماهير في عدالة المنافسة.

أما بطل العالم السابق في الشطرنج جاري كاسباروف فانتقد الفيفا بشدة، معتبرًا أن القرارات المثيرة للجدل تعزز الاتهامات القديمة المتعلقة بازدواجية المعايير في البطولات الكبرى، وهي قمة بين أخطر قمم فساد المؤسسات.

كما نشر الدبلوماسي البريطاني السابق كريج موري تعليقًا ساخرًا حظي بانتشار واسع، رأى فيه أن ما حدث أعاد الجدل حول حياد التحكيم في المباريات الكبرى، متسائلا إذا كان الحرف الأول من فيفا له علاقة بالإقدام على "فبركة" النتائج لصالح المنتخبات والنجوم المدللة.

ولم تكن هذه المواقف في حد ذاتها حاسمة، لكنها عكست انتقال القضية من نقاش رياضي بحت إلى قضية رأي عام، تجاوزت حدود الجماهير المصرية والأرجنتينية.

مناقشة عالمية حول مستقبل الـVAR

وأظهرت التغطيات الغربية أن الخلاف لم يكن حول أحقية الأرجنتين في التأهل، إذ أشادت معظم الصحف بشخصية حامل اللقب وقدرته على العودة من تأخر بهدفين، لكنها في الوقت نفسه أقرت بأن القرارات التحكيمية أصبحت القصة الرئيسية بعد المباراة.

وتساءلت  صحيفة الجارديان عما إذا كانت تقنية الفيديو قد نجحت بالفعل في تحقيق الهدف الذي أُنشئت من أجله، وهو تقليل الأخطاء التحكيمية، أم أنها خلقت نوعًا جديدًا من الجدل يتعلق بحدود تدخلها واختلاف تفسير الحالات المتشابهة.

كما ركز عدد من محللي الصحف الأمريكية على أن الأزمة الحقيقية ليست في وجود الأخطاء، فالأخطاء جزء من كرة القدم، وإنما في غياب الاتساق بين المباريات، وهو ما يفتح الباب أمام شعور الجماهير بأن بعض المنتخبات تحظى بمعاملة مختلفة في اللحظات الحاسمة.

مباراة باقية في ذاكرة البطولة

ورغم مرور الساعات على نهاية اللقاء، استمر الجدل في تصدر الصحف والمنصات الرياضية، بينما انتشرت المقارنات بين الهدف المصري الملغى واللقطة التي سبقت هدف إنزو فرنانديز بصورة غير مسبوقة.

ولم تعد مواجهة مصر والأرجنتين تُستحضر بوصفها مباراة شهدت "ريمونتادا" تاريخية فحسب، بل باعتبارها اختبارًا جديدًا لمصداقية التحكيم في عصر تقنية الفيديو، ودليلًا على أن التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع إنهاء الجدل إذا غاب الاتساق في تطبيق القانون.