< خارطة الشحن البحري تعيد رسم نفسها.. تراجع التوترات الإقليمية يزيد زخم عودة الحركة لقناة السويس
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

خارطة الشحن البحري تعيد رسم نفسها.. تراجع التوترات الإقليمية يزيد زخم عودة الحركة لقناة السويس

الرئيس نيوز

في تحول لافت يعيد رسم خريطة الشحن البحري العالمية، بدأت كبرى شركات الشحن في اتخاذ أولى خطوات العودة إلى قناة السويس بعد أشهر طويلة من الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح، في مؤشر يراه كثير من المراقبين بداية مرحلة جديدة لاستعادة أحد أهم الممرات الملاحية في العالم مكانته الطبيعية. وتأتي هذه الخطوة في سياق مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي هدأت التوترات في مضيق هرمز، وإن ظل المشهد الأمني في البحر الأحمر هشًا ومعلقا على تطورات لا يمكن التنبؤ بها بيقين.

وجاءت البداية بإعلان شركة ميرسك الدنماركية، ثاني أكبر شركة شحن حاويات في العالم، يوم السادس من يوليو استئناف إحدى خدماتها المشتركة مع شركة هاباج لويد الألمانية عبر قناة السويس، في خطوة وصفها الصحفي ستيوارت كيرلس في تقرير نشره موقع فريت ويفز بأنها "عودة حذرة من إحدى أكبر شركات الشحن العالمية إلى أكثر طرق التجارة البحرية ازدحامًا"، بما يعكس تغيرًا تدريجيًا في تقديرات الشركات الكبرى للمخاطر الأمنية في البحر الأحمر.

عودة خدمة AE15.. وأربعة أسابيع توفرها قناة السويس

وأوضحت ميرسك أن التعديل يطال خدمة AE15 التي تربط آسيا بالبحر المتوسط وأوروبا ضمن شبكة جيميناي المشتركة مع هاباج لويد، حيث ستعود السفن إلى عبور قناة السويس بدلًا من الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. ومن المقرر أن تنطلق أول رحلة وفق المسار الجديد على متن سفينة "ماجستيك ميرسك" من ميناء بورسعيد في الرابع والعشرين من يوليو الجاري، مرورًا بموانئ تشينجداو وكوانجيانج ونينجبو وتانجونج بيلاباس، ثم بورسعيد ودمياط وكولومبو وسنغافورة.

وأكدت الشركتان أن القرار جاء بعد مراجعات أمنية موسعة للأوضاع في البحر الأحمر، معتبرتين أنه يمثل بداية "عودة تدريجية" إلى ممر السويس، الذي لا يزال الأسرع والأكثر كفاءة واستدامة للتجارة بين آسيا وأوروبا.

وكشف متحدث باسم هاباج لويد أن العودة إلى هذا المسار ستختصر زمن الرحلة بنحو أربعة أسابيع مقارنة بالدوران حول جنوب إفريقيا، وهو فارق زمني ينعكس مباشرة على تكاليف التشغيل وسرعة وصول البضائع إلى الأسواق الأوروبية.

ثمن باهظ لسنوات الأزمة

وتتجلى التكلفة الفعلية لهذه الأزمة الملاحية الممتدة في أرقام صارخة؛ إذ تمثل قناة السويس نحو خمسة عشر في المئة من إجمالي إيرادات مصر، وقد تراجعت عائدات الرسوم بنسبة تصل إلى أربعين في المئة من ٤٧ مليون دولار إلى ٢٨ مليونًا في عام ٢٠٢٤، فيما انهارت رسوم الحاويات بنسبة ٦٦ في المئة، وتراجع إجمالي عمليات عبور السفن بنحو ٣٨ في المئة. 

وعلى المستوى العالمي، لا تزال ٧٨٠ سفينة بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ ١١.٣ مليون حاوية قياسية تسلك مسار رأس الرجاء الصالح وفق بيانات شركة لاينرليتيكا، فيما تشير التقديرات إلى أن العودة الشاملة ستفرج عن نحو ١٢٠ سفينة تمثل ١.٧ مليون حاوية قياسية أو ما يعادل خمسة في المئة من مجمل الأسطول العالمي.

مكاسب اقتصادية.. والحذر سيد الموقف

ورغم هذا التطور، فإن شركات الشحن لا تزال تتعامل بحذر شديد مع المشهد الأمني. فقد شددت ميرسك وهاباج لويد على أن استمرار تشغيل الخدمة عبر قناة السويس سيظل مرهونًا باستقرار الأوضاع في البحر الأحمر، وأن أي تصعيد جديد قد يدفع إلى مراجعة القرار. ولا يخلو المشهد من عوامل قلق موضوعية؛ إذ أطلق الحوثيون قبل أقل من شهر تحذيرات من مزيد من الهجمات على السفن المرتبطة بإسرائيل، كما هددوا المملكة العربية السعودية بـ"رد شامل". 

وعلى صعيد مواز، وسعت سي إم إيه سي جي إم الفرنسية انتشارها عبر السويس بتشغيل خمس رحلات إضافية في يونيو الماضي، فيما تبقى شركة وان هاي التايوانية الناقل الكبير الوحيد الذي يستخدم المسار بانتظام حتى اللحظة.

وترى فايننشال تايمز أن قرار ميرسك يعكس قدرًا من الثقة في استمرار التهدئة الإقليمية، لكنه لا يعني انتهاء المخاطر بالكامل، إذ تواصل الشركات متابعة التطورات الأمنية يوميًا قبل توسيع نطاق العودة. 

وتراهن هيئة قناة السويس على أن تتحول رحلة "ماجستيك ميرسك" شرارة تستدعي شركات أخرى للحذو بالمسار ذاته، في تسلسل ضغط تنافسي حتمي حين تبادر شركة كبرى بالخطوة الأولى، وإن كان المحللون يُجمعون على أن العودة الشاملة لأعداد ما قبل الأزمة ستستغرق أشهرًا لا أسابيع.