< مصر تكشف مدينة مفقودة من العصر البيزنطي.. أسرار الحياة قبل 1600 عام
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مصر تكشف مدينة مفقودة من العصر البيزنطي.. أسرار الحياة قبل 1600 عام

الرئيس نيوز

في واحد من أبرز الاكتشافات الأثرية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، نجح علماء الآثار في الكشف عن مدينة متكاملة تعود إلى العصر البيزنطي داخل واحة الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، في اكتشاف يسلط الضوء على فصل مهم من تاريخ مصر خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين، أي قبل نحو 16 قرنا، ويمنح الباحثين فرصة نادرة لإعادة بناء تفاصيل الحياة اليومية في واحدة من المستوطنات التي ازدهرت وسط الصحراء الغربية قبل أكثر من ستة عشر قرنًا.

مصر تكشف عن مدينة مفقودة من العصر البيزنطي في الصحراء الغربية 

ووفقًا لصحيفة الجارديان البريطانية، فإن المدينة المكتشفة تتميز بحالة حفظ استثنائية، ما أتاح للبعثة الأثرية تتبع تخطيطها العمراني، وأنشطتها الاقتصادية، وطبيعة الحياة الاجتماعية والدينية التي شهدتها المنطقة عندما كانت مصر جزءًا من الإمبراطورية البيزنطية.

 

مدينة مخططة بعناية في قلب الصحراء

يشير الاكتشاف الأثري إلى أن المدينة لم تكن تجمعًا سكنيًا صغيرًا، بل مستوطنة مخططة وفق أسس عمرانية واضحة، حيث تتقاطع الشوارع الرئيسية الممتدة من الشمال إلى الجنوب مع شوارع أخرى من الشرق إلى الغرب، لتشكل ساحات عامة ومناطق مفتوحة تعكس مستوى متقدمًا من التنظيم الحضري في تلك الحقبة. وأوضح خبراء الآثار أن هذا التخطيط يمنح الباحثين صورة أوضح عن كيفية تطور المدن البيزنطية في الواحات المصرية، ودورها في ربط الصحراء الغربية بالمراكز السكانية والتجارية الكبرى.

كنيسة تتصدر المشهد وأبراج تحرس أطراف المدينة

وفي قلب المدينة، عثر علماء الآثار على كنيسة ذات طراز البازيليكا يعود تاريخها إلى منتصف القرن الرابع الميلادي، وهي من أبرز المباني المكتشفة بالموقع، كما كشفت الحفريات عن بقايا برجي مراقبة كانا يستخدمان لتأمين أطراف المستوطنة ومراقبة الطرق المؤدية إليها. كما عثر الفريق الأثري على مبانٍ سكنية محصنة بجدران دفاعية سميكة، إضافة إلى قاعات استقبال وأسقف مقببة، وهو ما يعكس تطورًا معماريًا يتناسب مع أهمية المدينة في ذلك الوقت.

 تفاصيل الحياة اليومية تخرج من تحت الرمال

ولم يقتصر الاكتشاف على المباني، بل امتد إلى مئات القطع الأثرية التي ترسم صورة دقيقة للحياة اليومية داخل المدينة. فقد كشفت أعمال التنقيب عن أفران لخبز الطعام، ومطابخ، وأدوات لطحن الحبوب، إلى جانب عملات برونزية تحمل صور عدد من الأباطرة البيزنطيين ونقوشًا لاتينية ورموزًا مسيحية، ما يعكس الطبيعة الدينية والسياسية لتلك المرحلة التاريخية.

كما عثرت البعثة على مجموعة من العملات الذهبية التي تعود إلى عهد الإمبراطور الروماني قنسطانس الثاني، الذي حكم بين عامي 337 و361 ميلادية، وهو ما يساعد الباحثين على تحديد الإطار الزمني لازدهار المدينة بدقة أكبر.

 وثائق تجارية تروي قصة المجتمع القديم

ومن بين أكثر الاكتشافات أهمية، العثور على نحو 200 قطعة فخارية استخدمت وسيلةً للكتابة، والمعروفة أثريًا باسم "الأوستراكا". وتحمل هذه القطع كتابات توثق معاملات تجارية، ورسائل متبادلة، وسجلات تتعلق بالحياة اليومية للسكان، وهو ما يمنح الباحثين نافذة مباشرة على الأنشطة الاقتصادية والإدارية والاجتماعية التي كانت تمارس داخل المدينة قبل قرون طويلة. كما كشفت الحفريات عن منزل يُعتقد أنه كان يعود إلى شماس كنيسة يدعى "تيسوس"، ويرجح علماء الآثار أنه استُخدم في البداية كدار للعبادة قبل تشييد الكنيسة الرئيسية في المدينة.

 اكتشافات جديدة في مارينا العلمين

وفي موقع أثري آخر على ساحل البحر المتوسط، أعلنت البعثة الأثرية عن اكتشاف 18 مقبرة جديدة داخل منطقة مارينا العلمين، الواقعة غرب الإسكندرية، لترتفع بذلك حصيلة المقابر المكتشفة في الموقع إلى 48 مقبرة. وشملت الاكتشافات 11 مقبرة منحوتة في الصخور بعمق يصل إلى نحو ثمانية أمتار، إلى جانب سبع مقابر شُيدت من الحجر الجيري فوق سطح الأرض، فضلًا عن العثور على أوانٍ فخارية ومصابيح وموائد قرابين وأحواض حجرية استخدمت في الطقوس الجنائزية.

كما عثر علماء الآثار على تابوت ضخم من الجرانيت يبلغ طوله نحو مترين ونصف المتر، بداخله بقايا هيكل عظمي لا يزال يخضع للدراسة، إضافة إلى بقايا تمثال يشبه أبو الهول مصنوع من الجص. ومن بين أكثر الاكتشافات إثارة، العثور على أربع قطع ذهبية وُضعت داخل أفواه بعض الموتى، وهي ممارسة جنائزية عُرفت في العصور اليونانية والرومانية باسم "اللسان الذهبي"، إذ كان يُعتقد أنها تساعد المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر.

 خطوة جديدة لفهم التاريخ المصري

ويرى علماء الآثار أن هذه الاكتشافات لا تضيف مواقع أثرية جديدة إلى خريطة مصر فحسب، بل توفر مادة علمية ثمينة لفهم تطور المجتمعات التي عاشت في الواحات والصحراء الغربية خلال العصر البيزنطي، وكيف نجحت في بناء مراكز عمرانية ودينية وتجارية وسط بيئة صحراوية قاسية.

ووفقًا لصحيفة الجارديان، فإن واحة الداخلة مدرجة بالفعل على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو، وهو ما يمنح هذا الاكتشاف أهمية إضافية، وقد يعزز فرص إدراجها مستقبلًا ضمن قائمة التراث العالمي، في ظل ما تكشفه الحفريات المتواصلة من شواهد جديدة على ثراء التاريخ المصري وتنوع حضاراته عبر العصور.