< التراجع عن لقاح العسكريين.. الإنفلونزا تضرب القوات الجوية الأمريكية وتكشف ثمن "الحرية الطبية"
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

التراجع عن لقاح العسكريين.. الإنفلونزا تضرب القوات الجوية الأمريكية وتكشف ثمن "الحرية الطبية"

أرشيفية
أرشيفية

سلطت صحيفة آرمي ريكوجنشن العسكرية الضوء على النتائج العكسية لخطوة اتخذتها وزارة الدفاع الأمريكية تحت شعار منح العسكريين حرية الاختيار، فتحول الأمر إلى أزمة صحية وعسكرية غير متوقعة، بعدما اجتاح وباء إنفلونزا واسع قاعدة لاكلاند الجوية في ولاية تكساس، أحد أهم مراكز تدريب القوات الجوية الأمريكية. 

وبينما كانت الإدارة الجديدة تعتبر إلغاء إلزامية اللقاح انتصارا للحرية الطبية، وجدت نفسها بعد أسابيع فقط أمام اختبار صعب يتعلق بجاهزية الجيش وقدرته على الحفاظ على قواته في مواجهة تفش سريع للمرض.

قرار أحدث زلزالًا داخل المؤسسة العسكرية

في أبريل ٢٠٢٦، أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث إنهاء إلزام جميع المجندين والعسكريين والاحتياطيين وموظفي وزارة الدفاع المدنيين بتلقي لقاح الإنفلونزا الموسمية، في تحول كبير عن سياسة استمرت سنوات داخل الجيش الأمريكي.

وفي رسالة مصورة نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وصف الوزير شرط التطعيم الإجباري بأنه "تفويض مبالغ فيه وسخيف"، مؤكدا أن القرار الجديد يمنح كل عسكري حرية تقرير ما إذا كان يريد الحصول على اللقاح أم لا، مضيفا أن الحكومة لن تفرض على الجنود قرارات طبية تمس أجسادهم أو معتقداتهم الشخصية. 

وأشار تقرير ناشيونال سيكيورتي جورنال إلى أن القرار جاء ضمن مراجعة أوسع للسياسات الصحية داخل وزارة الدفاع.

شهران فقط ثم بدأت الأزمة

لم يمر سوى شهرين حتى بدأت مؤشرات الخطر تظهر داخل قاعدة لاكلاند الجوية في مدينة سان أنطونيو، التي تستقبل آلاف المجندين سنويا للتدريب الأساسي. 

وكشفت مصادر مطلعة أن نسبة المجندين الذين حصلوا على اللقاح طوعا لم تتجاوز ٤٠ في المئة، بعدما كانت تصل إلى ١٠٠ في المئة عندما كان التطعيم إلزاميا، وهو ما وفر بيئة مثالية لانتشار الفيروس بين المجندين الذين يعيشون ويتدربون في أماكن مغلقة ومزدحمة.

وسرعان ما تحولت الإصابات الفردية إلى موجة تفش واسعة، إذ ارتفع عدد الحالات من ١٥٩ إصابة خلال الأسبوع الأول إلى ٢٢٢ حالة، ثم إلى ٢٧٥ إصابة خلال أيام، قبل أن يصل العدد إلى ٢٨٤ إصابة بنهاية يونيو، بحسب ما كشفه مشرعون أمريكيون خلال مؤتمر صحفي، بينما أشارت آرمي ريكوجنشن إلى أن الأزمة أثارت تساؤلات بشأن تأثيرها في جاهزية القوات المسلحة.

وفاة مجند وإنذارات داخل القاعدة

ومع اتساع دائرة الإصابات، دخلت الأزمة مرحلة أكثر خطورة بعدما توفي أحد المجندين خلال أسبوعه السادس من التدريب الأساسي إثر طارئ طبي، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة لمعرفة ما إذا كانت الإنفلونزا سببا مباشرا في وفاته.

كما نقل أربعة مجندين آخرين على الأقل إلى المستشفى بعد تعرضهم لمضاعفات مرتبطة بالمرض، ما دفع القيادات العسكرية إلى رفع مستوى الاستجابة الصحية داخل القاعدة.

لماذا تنتشر الإنفلونزا بسرعة داخل المعسكرات؟

يرى خبراء الطب العسكري أن معسكرات التدريب الأساسي تعد من أكثر البيئات عرضة لتفشي الأمراض التنفسية، فالمجندون يعيشون في مهاجع مكتظة، ويتشاركون المرافق، ويقضون ساعات طويلة في تدريبات بدنية عنيفة تتطلب احتكاكا مباشرا، بينما يؤدي الإجهاد البدني والنفسي إلى إضعاف الجهاز المناعي، وهو ما يسمح للفيروس بالانتشار بسرعة كبيرة بين أعداد ضخمة من الأفراد. 

وأكد تقرير لصحيفة وورزون أن هذه العوامل تجعل انخفاض معدلات التطعيم عاملا شديد الخطورة داخل المنشآت العسكرية.

البنتاجون يتراجع.. واللقاح يعود إجباريًا

أمام تصاعد الأزمة، لم يجد البنتاغون سوى التراجع عن جزء من قراره. فقد أصدر استثناءات رسمية أعادت إلزامية لقاح الإنفلونزا للمجندين في التدريب الأساسي داخل القوات الجوية والبرية والبحرية، عبر مذكرة وقعها وكيل وزارة الدفاع لشؤون الأفراد.

وأكدت القوات الجوية أنها تستهدف تطعيم جميع المجندين الموجودين حاليا داخل القاعدة، إضافة إلى جميع الوافدين الجدد، في محاولة لوقف انتشار العدوى واستعادة السيطرة على الوضع الصحي.

كما تدرس وزارة الدفاع توسيع نطاق الإلزام ليشمل القوات التي تستعد للانتشار خارج الولايات المتحدة، وأفراد الاستجابة الأولى، والعاملين في الرعاية الصحية ورعاية الأطفال، إضافة إلى المشاركين في التدريبات العسكرية واسعة النطاق.

أزمة جديدة.. لا لقاحات متاحة

لكن عودة التطعيم لم تنه المشكلة بالكامل. فقد أعلنت الجهات الصحية أن مخزون لقاحات الإنفلونزا الموسمية انتهت صلاحيته في ٣٠ يونيو، بينما لن تصل الجرعات الجديدة قبل أواخر أغسطس أو بداية سبتمبر، وهو ما يفرض على الجيش الاعتماد مؤقتا على إجراءات الوقاية التقليدية، مثل العزل، وتعزيز إجراءات النظافة، وتقليل الاختلاط، لمنع تحول التفشي إلى أزمة أوسع.

جدل سياسي يتصاعد في واشنطن

الأزمة لم تبق داخل أسوار القواعد العسكرية، بل امتدت إلى الكونغرس، حيث طالب مشرعون ديمقراطيون وزارة الدفاع بإعادة فرض إلزامية اللقاح على جميع أفرع القوات المسلحة الأمريكية. وقالوا إن الجنود الذين يخاطرون بحياتهم دفاعا عن البلاد لا ينبغي أن يتعرضوا لمخاطر صحية يمكن الوقاية منها بسبب تغييرات في السياسات الطبية.

اختبار قاس لسياسة "الحرية الطبية"

تكشف أزمة قاعدة لاكلاند أن القرارات الصحية داخل الجيوش لا تتعلق فقط بحرية الاختيار، بل ترتبط مباشرة بالجاهزية القتالية والأمن القومي.

فبعد أسابيع قليلة من الاحتفاء بإلغاء إلزامية اللقاح، وجدت وزارة الدفاع نفسها مضطرة إلى إعادة العمل بالإجراءات التي ألغتها، في مشهد يعكس حجم التحدي الذي يواجه صناع القرار عند الموازنة بين الحقوق الفردية ومتطلبات الحفاظ على قوة عسكرية قادرة على أداء مهامها في أصعب الظروف.