مصر تدخل سباق تصنيع الطاقة النظيفة.. أول مصنع لتوربينات الرياح ومزرعة بقدرة 2 جيجاواط بالشراكة مع الصين
بات التحول نحو الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط أكبر من أن يقتصر على إنشاء محطات جديدة لإنتاج الكهرباء، بل انتقل إلى سباق أكثر تعقيدا يتمثل في توطين الصناعات الثقيلة المرتبطة بالطاقة النظيفة.
وفي هذا السياق، وقعت مصر مذكرة تفاهم مع شركة ساني جروب الصينية لإنشاء أول مصنع لتوربينات الرياح في البلاد، إلى جانب تطوير مزرعة رياح بقدرة تصل إلى 2 جيجاواط في منطقة خليج السويس، في خطوة قد تضع القاهرة على خريطة تصنيع مكونات طاقة الرياح في المنطقة، وليس مجرد استهلاكها.
ويأتي المشروع ضمن استراتيجية مصر لتحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز صناعي إقليمي يخدم الأسواق الإفريقية والأوروبية، مع الاعتماد على التكنولوجيا الصينية التي أصبحت اللاعب الأكثر حضورا في قطاع الطاقة المتجددة عالميا.
الصين تقود سباق التصنيع الأخضر في الشرق الأوسط
وذكرت صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست أن المشروع المصري ليس حالة منفردة، بل يمثل جزءا من سباق إقليمي واسع تقوده الشركات الصينية لبناء قواعد صناعية لإنتاج مكونات توربينات الرياح في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
فإلى جانب مصر، تتحرك كل من المغرب والسعودية وسلطنة عمان لاستقطاب استثمارات صينية في هذا القطاع، مستفيدة من الطلب الأوروبي والإفريقي المتزايد على معدات الطاقة النظيفة.
وتعتمد بكين على شركات عملاقة مثل ساني جروب وشنغهاي إلكتريك وإنفيجن إنرجي وأيولون لنقل التكنولوجيا إلى المنطقة، مع تحويلها إلى منصات تصدير للأسواق المجاورة.
لماذا تعد صناعة التوربينات الأكثر تعقيدا؟
توطين صناعة توربينات الرياح لا يشبه إنشاء محطة كهرباء تقليدية، إذ تمر الصناعة بمراحل متدرجة. وتبدأ عادة بتصنيع الأبراج المعدنية الضخمة، ثم شفرات التوربينات التي قد يتجاوز طول الواحدة منها مئة متر، بينما تبقى وحدة التوليد الرئيسية، أو ما يعرف بـ"الناسل"، الأكثر تعقيدًا من الناحية التقنية، لأنها تضم المولد الكهربائي وعلبة التروس وأنظمة التحكم الرقمية، وتمثل وحدها نحو نصف القيمة الصناعية للتوربين، لذلك فإن إنشاء مصنع محلي يعد خطوة أولى في مسار طويل نحو بناء سلسلة تصنيع متكاملة، بدلا من الاكتفاء بتجميع المكونات المستوردة.
استثمارات صينية تتوسع داخل مصر
ويمثل اتفاق ساني جروب امتدادًا لسلسلة من الاستثمارات الصينية الكبرى في قطاع الطاقة المصري، ففي مطلع العام، وقعت شركة “جي سي إل” اتفاقًا لإنشاء مجمع لإنتاج الخلايا والألواح الشمسية باستثمارات تبلغ نحو 500 مليون دولار.
كما اتفقت شركة كورنكس على إنشاء مصنع لإنتاج البطاريات بسعة خمسة جيجاواط ساعة، بينما تعمل شركة تي بي إي إيه على إنشاء أول مصنع للمحولات وأنظمة ربط الشبكات الكهربائية، في حين تنشئ شركة سانجرو أول مصنع ضخم لتخزين الطاقة بالبطاريات في الشرق الأوسط وإفريقيا داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ويعكس ذلك اعتماد القاهرة على التكنولوجيا الصينية لبناء قاعدة صناعية متكاملة للطاقة النظيفة.
منافسة إقليمية محتدمة
ورغم دخول مصر بقوة إلى هذا المجال، فإن المنافسة الإقليمية تبدو شرسة، فالمغرب يمتلك أفضلية واضحة بعد افتتاح شركة سيمنز جاميسا أول مصنع لشفرات توربينات الرياح في إفريقيا والشرق الأوسط بمدينة طنجة، كما دشنت شركة أيولون الصينية مصنعا جديدا في ميناء الناظور غرب المتوسط لتلبية الطلب الأوروبي والإفريقي.
أما السعودية، فقد أطلقت شراكة بين صندوق الاستثمارات العامة وشركة “إنفيجن إنرجي” الصينية وشركة “فيجن إندستريز” بهدف توطين صناعة سلسلة توريد توربينات الرياح، في حين بدأت سلطنة عمان بالفعل إنشاء مصنع للتوربينات في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم عبر شركة ماوريد توربين التابعة لمجموعة أو كيو، بالتعاون مع شركة شنغهاي إلكتريك الصينية.
التحدي الحقيقي ليس المصنع.. بل السوق
ويرى خبراء الطاقة أن نجاح أي مصنع لتوربينات الرياح لا يعتمد على تشييده فقط، وإنما على ضمان وجود طلب مستدام على إنتاجه، فالمصانع الضخمة تحتاج إلى مشروعات رياح جديدة وعقود شراء طويلة الأجل تضمن استمرار الإنتاج وتحقيق الجدوى الاقتصادية.
كما أن تجارب دول مثل البرازيل والهند أثبتت أن بناء صناعة محلية ناجحة ارتبط بسياسات حكومية واضحة تشترط نسبا مرتفعة من المكون المحلي مقابل الحصول على التمويل أو تنفيذ المشروعات، وهو النموذج الذي قد تحتاج مصر إلى تعزيزه خلال السنوات المقبلة إذا أرادت التحول إلى مركز إقليمي لتصنيع معدات الطاقة المتجددة، وليس مجرد سوق لاستثمارات أجنبية، وفقا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة "آيرينا".