< ماذا تغير في دبلوماسية محمود فوزي 1973؟ صعود قوى جديدة تغير الموازين بالشرق الأوسط
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

ماذا تغير في دبلوماسية محمود فوزي 1973؟ صعود قوى جديدة تغير الموازين بالشرق الأوسط

الرئيس نيوز

يطرح كتاب "غرب آسيا: استراتيجية أمريكية كبرى جديدة في الشرق الأوسط" للباحث محمد سليمان رؤية مختلفة لفهم التحولات الجارية في المنطقة، لا باعتبارها امتدادا للصراعات التقليدية التي حكمت الشرق الأوسط على مدار عقود، بل بوصفها بداية لتشكيل فضاء جيوسياسي جديد يتجاوز الحدود العربية التقليدية ويعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات، في ظل استراتيجية أمريكية غير مسبوقة يرعاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايتيه.

ووفقا لموقع مدونات كلية لندن للاقتصاد، تنبع أهمية الكتاب من أنه لا ينظر إلى المنطقة من زاوية النزاعات التقليدية أو الأزمات المؤقتة، بل يحاول تفسير التحولات العميقة التي غيرت موازين القوى منذ نهاية القرن العشرين وحتى اليوم ملقيا الضوء على جهود دبلوماسية كان رأس حربتها وزير خارجية مصر الأسبق محمود فوزي في عهد الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات.

ومن أجل فهم هذه الرؤية، يعود الكاتب بشكل غير مباشر إلى مرحلة مختلفة تماما من تاريخ المنطقة؛ مرحلة كان العالم العربي خلالها يمثل مركز الثقل السياسي والإستراتيجي في الشرق الأوسط. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي قادت مصر بقيادة جمال عبد الناصر مشروعا إقليميا قائما على القومية العربية والاستقلال الوطني ومقاومة النفوذ الاستعماري. وكانت قضايا مثل أزمة السويس والصراع العربي الإسرائيلي تمثل المحاور الرئيسية التي تدور حولها سياسات المنطقة.

لكن هذا المشهد، وفقا للكتاب، لم يعد قائما اليوم. فالتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية أدت إلى تفكك النظام الإقليمي العربي الذي تشكل بعد الاستقلالات الوطنية، وفتحت الباب أمام صعود قوى جديدة وتشكيل تحالفات مختلفة تتجاوز الإطار العربي التقليدي.

ويحدد الكاتب محطتين رئيسيتين ساهمتا في إعادة تشكيل المنطقة. الأولى جاءت بعد حرب أكتوبر 1973 عندما أدى المسار السياسي اللاحق إلى إخراج مصر تدريجيا من معادلة الصراع العربي الجماعي مع إسرائيل، وهو ما أضعف مركز الثقل العربي التقليدي. أما المحطة الثانية فكانت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، الذي أدى إلى انهيار أحد أهم مراكز القوة العربية وفتح المجال أمام توسع النفوذ الإيراني في المشرق العربي.

ومن هنا ينتقل الكتاب إلى فكرته الأساسية، وهي أن مفهوم "الشرق الأوسط" بصورته التقليدية لم يعد كافيا لفهم الواقع الحالي. وبدلا من ذلك يقترح إطارا أوسع يحمل اسم "غرب آسيا"، يمتد من بحر إيجه غربا إلى المحيط الهندي شرقا، ويضم شبكة متداخلة من القوى الإقليمية والدولية المتنافسة.

ويرى المؤلف أن المنطقة تتجه نحو التمركز حول محورين رئيسيين. الأول هو ما يسميه "الإطار الهندي الإبراهيمي"، الذي يضم الهند والإمارات وإسرائيل، ويستند إلى المصالح الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والتنسيق الأمني. ويعد مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا أحد أبرز تجليات هذا التوجه.

أما المحور الثاني فيقوم على رؤية تقودها تركيا وتسعى إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات بين دول إسلامية تمتد من شرق إفريقيا إلى جنوب آسيا. ويضم هذا التوجه دولا مثل باكستان، مع احتمال انضمام قوى إقليمية أخرى إليه وفقا للمتغيرات السياسية والأمنية المستقبلية.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، حيث يرى مراقبون أن التطورات الميدانية أظهرت بالفعل ملامح اصطفافات جديدة تتجاوز الانقسامات التقليدية. فقد برزت أدوار متنامية لباكستان وتركيا ودول الخليج والهند، فيما أصبحت الحسابات الاقتصادية ومشروعات الربط التجاري والبنية التحتية جزءا أساسيا من معادلة النفوذ الإقليمي.

ومع ذلك، لا يخلو الطرح من تساؤلات مهمة. فافتراض أن الولايات المتحدة ستتبنى بصورة كاملة المحور الهندي الإبراهيمي يظل محل نقاش، خاصة أن واشنطن ما زالت تحتفظ بعلاقات إستراتيجية قوية مع تركيا وباكستان، كما أن أولويات الإدارات الأمريكية تختلف من مرحلة إلى أخرى.

كذلك يواجه المشروع تحديا آخر يتمثل في الدور المطلوب من الهند. فنيودلهي مطالبة، وفقا لهذا التصور، بلعب دور محوري في غرب آسيا، في الوقت الذي تواجه فيه تحديات متزايدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ضمن المنافسة مع الصين. وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الهند على تحمل أعباء جيوسياسية متزايدة في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.

وقدم الكتاب محاولة تحليلية لفهم الشرق الأوسط الجديد من زاوية مختلفة. فبدلا من التركيز على الصراعات التقليدية وحدها، يسلط الضوء على التحولات الاقتصادية والتحالفات العابرة للحدود وصعود قوى جديدة تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة. وربما تكمن أهميته الحقيقية في أنه لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يطرح سؤالا محوريا: هل انتهى عصر الشرق الأوسط العربي التقليدي، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها “غرب آسيا”.