< العجز المائي السنوي لمصر يقترب من 3 مليارات متر مكعب.. ونصيب الفرد يدخل الفقر الحاد| عاجل
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

العجز المائي السنوي لمصر يقترب من 3 مليارات متر مكعب.. ونصيب الفرد يدخل الفقر الحاد| عاجل

أرشيفية
أرشيفية

 لسنوات طويلة، ظل الخلاف حول مياه النيل يدور بشكل أساسي حول السدود وحصص المياه والاتفاقيات القانونية غير المكتملة. لكن مع دخول مرحلة جديدة بعد اكتمال سد النهضة الإثيوبي، بدأت القاهرة تنظر إلى ملف المياه من زاوية أوسع تتجاوز مجرى النهر نفسه، لتشمل البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ومع إعلان مسؤولين إثيوبيين عن مناقشة خطط لبناء سدود جديدة على النيل الأزرق، تتزايد المخاوف المصرية من أن يتحول ملف المياه إلى جزء من معادلة أمنية إقليمية أكبر، تجمع بين الأمن المائي والنفوذ البحري والتحولات الجيوسياسية في القرن الأفريقي.

ووفقًا لتقرير نشرته شبكة الشرق الأوسط للبث (MBN)، فإن السؤال الأساسي بالنسبة لمصر أصبح: كيف يمكن حماية أمنها المائي في وقت توسع فيه إثيوبيا نفوذها على النهر والبحر معًا؟

اتفاقية 1959.. أساس قانوني يواجه واقعًا جديدًا

تعود جذور الخلاف إلى اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان، التي نظمت استخدام مياه النيل خلال فترة بناء السد العالي في مصر. وقدرت الاتفاقية متوسط تدفق مياه النيل السنوي بنحو 84 مليار متر مكعب، مع تخصيص 55.5 مليار متر مكعب لمصر و18.5 مليار متر مكعب للسودان. كما نصت الاتفاقية على تنسيق المواقف بين القاهرة والخرطوم بشأن أي مشروعات جديدة لدول المنبع، وإنشاء لجنة فنية دائمة لمتابعة قضايا مياه النيل.

لكن هذا الإطار القانوني أصبح أكثر تعقيدًا مع التطورات الجديدة، خاصة بعد اكتمال سد النهضة الإثيوبي، الذي تبلغ سعته التخزينية نحو 74 مليار متر مكعب، وبدء أديس أبابا الحديث عن مشروعات إضافية على النيل الأزرق.

وقال مسؤول إثيوبي، طلب عدم الكشف عن هويته، إن بلاده تمتلك خططًا هندسية لإنشاء ثلاثة سدود كبيرة جديدة في منطقة أعالي النيل الأزرق، إلا أن تنفيذها مرتبط بتمويل هذه المشروعات والاعتبارات اللوجستية، دون الإعلان حتى الآن عن مناقصات دولية أو شراكات رسمية.

مصر ترى القضية أكبر من سد واحد

بالنسبة للقاهرة، لا يرتبط القلق بسد النهضة وحده، بل بأي توسع مستقبلي في قدرة إثيوبيا على تخزين المياه أو التحكم في تدفقها. فمصر تعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل في توفير احتياجاتها من المياه العذبة، ولذلك ترى أن أي قرارات أحادية في دول المنبع قد تزيد من هشاشة أمنها المائي.

وقالت هبة القدسي، مديرة مكتب واشنطن في صحيفة الشرق الأوسط، إن مصر اتخذت سلسلة من الإجراءات الداخلية لمواجهة الأزمة، من بينها إعادة تدوير المياه، وتحديث أنظمة الري، وتبطين الترع، ومشروعات معالجة مياه الصرف. لكنها أشارت إلى أن هذه الإجراءات لا تكفي لتعويض العجز المائي المتزايد، موضحة أن العجز السنوي قد يصل إلى ما بين ملياري وثلاثة مليارات متر مكعب، بينما انخفض نصيب الفرد من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، وهو مستوى يقع ضمن نطاق الفقر المائي الحاد.

وأضافت أن غياب اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل وملء سد النهضة يبقي مصر عرضة للتغيرات في السياسة الإثيوبية.

من النيل إلى باب المندب.. توسع التحرك المصري

مع تصاعد الضغوط في حوض النيل، بدأت القاهرة في توسيع تحركاتها الاستراتيجية خارج نطاق النهر، عبر تعزيز علاقاتها مع دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وشهد التعاون المصري الإريتري تطورًا خلال الفترة الأخيرة، مع توقيع اتفاقيات في مجالات النقل البحري والتعاون الاستراتيجي والتنسيق الدفاعي، في إطار اهتمام متزايد بأمن الدول المطلة على البحر الأحمر.

وترى إثيوبيا هذه التحركات باعتبارها محاولة للحد من طموحاتها الإقليمية، خصوصًا في ظل سعيها منذ سنوات للحصول على منفذ بحري بعد أن أصبحت دولة حبيسة تعتمد بشكل كبير على ميناء جيبوتي في تجارتها الخارجية.

وقال المسؤول الإثيوبي إن الشراكة المصرية الإريترية تمثل، من وجهة نظره، محاولة لـ"محاصرة إثيوبيا سياسيًا"، مؤكدًا أن بلاده ستواصل السعي للحصول على منفذ بحري.

صراع الموانئ والممرات البحرية

وتزداد تعقيدات الملف مع استمرار الخلاف حول مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع أرض الصومال في يناير 2024، والتي تضمنت استئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومترًا بهدف تطوير منفذ بحري. ورغم تعثر تنفيذ الاتفاق بسبب اعتراض الحكومة الصومالية، فإن دخول أطراف إقليمية ودولية على خط القضية زاد من حساسية الملف بالنسبة لمصر.

وترى القاهرة أن أي وجود عسكري أو استخباراتي قرب خليج عدن يرتبط بشكل مباشر بأمنها القومي، خاصة إذا تزامن مع الطموحات البحرية الإثيوبية والاستثمارات الإماراتية المتزايدة في المنطقة.

وقالت إيريت باك، المتخصصة في الدراسات الأفريقية بمركز موشيه ديان، إن المخاوف المصرية "حقيقية"، معتبرة أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال قد يفتح الباب أمام وجود أكثر استدامة بالقرب من خليج عدن. 

وأضافت أن أي ترتيبات مستقبلية قد تجمع بين رأس المال لأطراف إقليمية طموحة والتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية ورغبة إثيوبيا في الوصول إلى البحر، وهو ما قد يخلق وجودًا استراتيجيًا غير عربي بالقرب من الجبهة الجنوبية لمصر.

بين التهديدات والفرص.. كيف ترى إسرائيل المشهد؟

في المقابل، قدم آشر لوبوتسكي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هيوستن، قراءة مختلفة، حيث أقر بمحاولات إسرائيل توسيع علاقاتها في القرن الأفريقي، لكنه رفض اعتبار ذلك موجهًا ضد مصر.

وقال إن إسرائيل تنظر إلى مصر باعتبارها شريكًا إقليميًا مهمًا، وأن اهتمامها بالبحر الأحمر يرتبط أساسًا بمخاطر هجمات الحوثيين والتهديدات المرتبطة بالجماعات المدعومة من إيران، وهي مخاطر تؤثر أيضًا على المصالح المصرية والسعودية في طرق التجارة البحرية.

مستقبل مفتوح بين النيل والبحر

وأصبح القرن الأفريقي اليوم نقطة تقاطع بين ثلاثة ملفات متشابكة: أزمة مياه لم تُحسم، وطموح إثيوبي للحصول على منفذ بحري، ومنافسة إقليمية متزايدة حول الموانئ وخطوط الملاحة والقواعد العسكرية، وبين نهر النيل ومضيق باب المندب، تنظر القاهرة إلى سد النهضة باعتباره جزءًا من بيئة أمنية أوسع، لا مجرد مشروع مائي منفرد.