< الدبلوماسية الاقتصادية.. قصة صعود الصندوق المصري - الأمريكي للمشروعات
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

الدبلوماسية الاقتصادية.. قصة صعود الصندوق المصري - الأمريكي للمشروعات

الرئيس نيوز

في وقت تتصدر فيه القوة العسكرية والردع الأمني حسابات السياسة الدولية، يظهر نموذج مختلف يحاول إعادة تعريف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط عبر بوابة الاقتصاد. فالصندوق المصري-الأمريكي للمشروعات لم يعد مجرد مؤسسة استثمارية تهدف إلى دعم الشركات الناشئة أو تمويل المبادرات الصغيرة، بل تحول إلى تجربة تعكس فكرة أوسع تعرف باسم "الدبلوماسية الاقتصادية".

ويحاول الصندوق تقديم نموذج يقوم على بناء النفوذ من خلال الاستثمار والشراكات التجارية، انطلاقًا من رؤية ترى أن الاستقرار الاقتصادي يمكن أن يكون أداة تأثير طويلة الأمد، لا تقل أهمية عن الأدوات السياسية والأمنية.

ووفقًا لتقرير نشره موقع "المونيتور"، فإن الصندوق المصري-الأمريكي للمشروعات يمثل محاولة لاستخدام رأس المال كوسيلة لتعزيز العلاقات بين واشنطن والقاهرة، في وقت تتزايد فيه النقاشات داخل الولايات المتحدة حول مستقبل أدوات النفوذ الأمريكي في العالم.

مشروع من رحم أزمة سياسية

تأسس الصندوق في أعقاب الاضطرابات السياسية التي شهدتها مصر بعد عام 2011، بهدف دعم القطاع الخاص والمساعدة في تعزيز الاستقرار الاقتصادي خلال مرحلة انتقالية صعبة. وخصصت الولايات المتحدة للصندوق تمويلًا أوليًا يقارب 300 مليون دولار، ليبدأ الاستثمار في قطاعات متعددة تشمل الخدمات المالية والتكنولوجيا والطاقة.

ومنذ انطلاقه، توسع الصندوق عبر شراكات مع مؤسسات مصرية وشركات استثمارية محلية، من بينها CI Capital وFlat6Labs، بهدف دعم ريادة الأعمال وتوسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري، ولكن القائمين على الصندوق يرون أن دوره يتجاوز حدود التمويل المباشر، إذ يعتبرونه نموذجًا لكيفية استخدام الاستثمار لبناء علاقات استراتيجية طويلة الأجل بين الدول.

عندما يصبح الاقتصاد جزءًا من الأمن القومي

تأتي أهمية هذا النموذج في ظل تغير النظرة الأمريكية إلى أدوات النفوذ العالمي. فبينما اعتمدت واشنطن لعقود على التحالفات الأمنية والمساعدات العسكرية، يرى مؤيدو الدبلوماسية الاقتصادية أن الاستثمار يمكن أن يوفر تأثيرًا أكثر استدامة من الأدوات التقليدية.

وقال كورنيليوس كوين، نائب الرئيس التنفيذي للصندوق، إن الاستثمار في مصر لا يمثل مجرد دعم اقتصادي، بل وسيلة لبناء استقرار طويل الأمد وتعزيز المصالح المشتركة.

وبحسب "المونيتور" و"بلومبرج"، فإن هذا النوع من الاستثمارات يعكس توجهًا أمريكيًا أوسع لربط الاقتصاد بالأمن القومي، خصوصًا في الأسواق الناشئة التي تمتلك أهمية استراتيجية مثل مصر.

اقتصاد مصر بين الضغوط وفرص التعافي

جاء نشاط الصندوق في وقت واجه فيه الاقتصاد المصري واحدة من أصعب فتراته خلال العقود الأخيرة، مع ارتفاع التضخم ونقص العملات الأجنبية وتزايد الضغوط على المالية العامة.

وخلال عام 2023، وصل التضخم إلى مستويات قياسية، قبل أن تبدأ القاهرة تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي جديد بدعم من صندوق النقد الدولي. وفي مارس 2024، توصلت مصر إلى اتفاق تمويلي بقيمة 8 مليارات دولار، تضمن إجراءات مرتبطة بسعر الصرف والإصلاحات المالية وزيادة دور القطاع الخاص.

وبحلول عام 2025، بدأت مؤشرات اقتصادية عدة في التحسن، مع تراجع التضخم تدريجيًا وعودة بعض الثقة إلى الأسواق، إضافة إلى تدفقات استثمارية ضخمة، كان من أبرزها مشروع رأس الحكمة الذي عزز احتياطي النقد الأجنبي ودعم توقعات النمو.

شراكة اقتصادية تتجاوز الاستثمار

لا تقتصر العلاقات الاقتصادية المصرية-الأمريكية على الصندوق فقط، إذ تشير أرقام رسمية إلى وجود حضور واسع للشركات الأمريكية داخل مصر. 

وخلال منتدى السياسات المصري-الأمريكي في مايو 2025، قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن أكثر من 1800 شركة أمريكية تعمل في مصر باستثمارات تجاوزت 47 مليار دولار خلال العقدين الماضيين.

وتسعى القاهرة إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأمريكية ضمن رؤية مصر 2030، مع التركيز على قطاعات النقل والموانئ والصناعة والطاقة المتجددة، باعتبارها مجالات يمكن أن تعزز النمو وتوسع مشاركة القطاع الخاص.

هل ينجح نموذج القوة الناعمة الاقتصادية؟

يمثل الصندوق المصري-الأمريكي تجربة تتجاوز فكرة التمويل التقليدي؛ فهو يعكس تحولًا في طريقة استخدام الاقتصاد كأداة دبلوماسية في عالم تتزايد فيه المنافسة الجيوسياسية. فالولايات المتحدة تحاول من خلال هذا النموذج الحفاظ على نفوذها عبر بناء مصالح اقتصادية مشتركة، بينما تستفيد مصر من جذب الاستثمارات وتعزيز ثقة المستثمرين وتوسيع قاعدة الشركات الخاصة.

لكن نجاح هذه التجربة يبقى مرتبطًا بقدرة الاقتصاد المصري على مواصلة الإصلاحات وتحسين بيئة الأعمال، بما يفتح المجال أمام استثمارات أكبر وشراكات أكثر عمقًا.

ويقدم الصندوق المصري - الأمريكي نموذجًا واضحًا لصراع الأدوات في السياسة الدولية الحديثة؛ فبينما تستمر القوة الصلبة في لعب دورها، تحاول القوة الاقتصادية أن تثبت أن النفوذ لا يُبنى فقط عبر الجيوش والتحالفات، بل أيضًا عبر الأسواق والاستثمارات والعلاقات التي تدوم لعقود.