خالد الجندي يحسم الجدل: مصافحة النساء «محل خلاف».. والخروج مستحب|فيديو
أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن القضايا الفقهية الخلافية تحتاج إلى قدر كبير من الفهم والوعي عند تناولها، بعيدًا عن التشدد أو إطلاق الأحكام بصورة قاطعة، مشددًا على أن دور العلماء يتمثل في بيان الأحكام الشرعية وأقوال الفقهاء المختلفة، وليس فرض رأي واحد على جميع الناس في المسائل التي شهدت اجتهادًا معتبرًا بين أهل العلم.
فهم الخلاف الفقهي
وأوضح خالد الجندي، خلال تقديمه برنامج "لعلهم يفقهون" المذاع عبر قناة "dmc"، أن مسألة مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية تعد من القضايا الفقهية التي تناولها العلماء عبر القرون، واختلفت فيها الاجتهادات وفقًا للأدلة الشرعية وفهم النصوص، وهو ما يجعلها من المسائل التي وصفها الفقهاء بأنها "محل خلاف"، وأنه شخصيًا لا يدعو إلى مصافحة النساء، ويرى أن ترك المصافحة هو الطريق الأحوط والأقرب إلى الخروج من دائرة الخلاف الفقهي، لكنه في الوقت نفسه يؤكد ضرورة فهم طبيعة المسألة وعدم التعامل معها باعتبارها قضية محسومة بإجماع العلماء.
وأوضح عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن الفقه الإسلامي يتميز بثرائه وتنوع اجتهاداته، حيث ترك العلماء عبر العصور ميراثًا فقهيًا واسعًا يعكس مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على استيعاب مختلف الظروف والأحوال، وأن وصف قضية ما بأنها "محل خلاف" يعني وجود آراء فقهية معتبرة استند أصحابها إلى أدلة واجتهادات شرعية، وبالتالي لا يصح التسرع في تخطئة من أخذ بأحد هذه الآراء ما دام الأمر يدور في إطار الاجتهاد المعتبر، إذ أن الفقه الإسلامي لم يقم على الرأي الواحد في جميع المسائل، بل شهد تنوعًا كبيرًا في فهم النصوص واستنباط الأحكام، وهو ما أسهم في إيجاد مساحة واسعة من التيسير والمرونة أمام المسلمين في مختلف العصور.
رأي جمهور العلماء
وأشار الداعية الإسلامي، إلى أن جمهور الفقهاء ذهب إلى القول بحرمة مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية، مستدلين بعدد من النصوص والآثار الشرعية، وفي مقدمتها ما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها من أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تمس يد امرأة أجنبية قط، وأن هذا الرأي يعد الأكثر انتشارًا بين العلماء، ولذلك يراه كثير من الفقهاء هو القول الراجح والأقرب للاحتياط في الدين، وأن الأخذ بهذا الرأي يمثل خروجًا من دائرة الخلاف وتحقيقًا لمزيد من الاحتياط الشرعي، وهو ما يدفعه شخصيًا إلى تفضيل ترك المصافحة.
وفي المقابل، أوضح عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية،أن هناك بعض الفقهاء الذين أجازوا المصافحة في حالات معينة وضوابط محددة، خاصة عند انتفاء أسباب الفتنة وعدم وجود دوافع الشهوة، وأن بعض فقهاء المذهبين الحنفي والحنبلي أجازوا مصافحة المرأة المسنة التي لا تُشتهى، مستندين إلى اجتهادات فقهية وروايات نقلت عن بعض الصحابة والتابعين، إذ أن هذه الآراء تبقى جزءًا من التراث الفقهي الإسلامي، ولا يجوز تجاهل وجودها أو إنكارها، حتى وإن اختار الإنسان الأخذ بالرأي الآخر الأكثر احتياطًا.
اختلاف المذاهب.. نقض الوضوء
وتطرق الداعية الإسلامي، إلى مثال آخر يعكس طبيعة التنوع الفقهي داخل المدارس الإسلامية، وهو مسألة نقض الوضوء بلمس المرأة، وأن الإمام الشافعي يرى أن مجرد لمس المرأة ينقض الوضوء مطلقًا، بينما يرى الإمام أبو حنيفة أن اللمس لا ينقض الوضوء في الأصل، إذ أن الإمام مالك اتخذ موقفًا وسطًا، حيث فرّق بين اللمس المصحوب بالشهوة فينقض الوضوء، وبين اللمس الخالي من الشهوة فلا ينقضه، ومن ثم هذا التعدد في الآراء الفقهية يعكس رحابة الفقه الإسلامي ومرونته في التعامل مع مختلف الأحوال والظروف.
وشدد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، على أهمية الالتزام بالقواعد العلمية عند التعامل مع المسائل المختلف فيها، موضحًا أن العلماء قرروا قاعدة شهيرة مفادها: "لا يُنكر المختلف فيه وإنما يُنكر المتفق عليه"، وأن هذه القاعدة تهدف إلى منع التعصب والتشدد وإثارة النزاعات بين المسلمين في القضايا التي وسع فيها الشرع باب الاجتهاد، إذ أن احترام الآراء الفقهية المعتبرة لا يعني إلغاء الترجيح أو التخلي عن القناعة الشخصية، وإنما يعني الاعتراف بوجود اجتهادات أخرى لها سندها العلمي وأدلتها الشرعية.

الحفاظ على الاحتياط
واختتم الشيخ خالد الجندي، بالتأكيد على أن من وقع في مثل هذه المسائل الخلافية يمكنه أن يقلد أحد الأقوال المعتبرة التي تحقق له التيسير عند الحاجة، دون شعور بالحرج أو الإثم، وأن ترك المصافحة يظل الخيار الأحوط والأفضل خروجًا من الخلاف، لما يحققه من اطمئنان للنفس وابتعاد عن مواطن الشبهات، إذ أن التعامل مع القضايا الفقهية ينبغي أن يكون قائمًا على العلم والفهم واحترام اجتهادات العلماء، بعيدًا عن التشدد أو التهوين، بما يحقق مقاصد الشريعة ويحافظ على وحدة المجتمع واستقراره.