< صدام بين نتنياهو والأحزاب الحريدية.. احتجاجات تغلق طريقًا رئيسيًا وتصعيد من الحاخامات: "نحن في حالة حرب"
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

صدام بين نتنياهو والأحزاب الحريدية.. احتجاجات تغلق طريقًا رئيسيًا وتصعيد من الحاخامات: "نحن في حالة حرب"

أرشيفية
أرشيفية

في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل مواجهة تحديات عسكرية وأمنية متعددة في المنطقة، تتصاعد داخلها أزمة لا تقل خطورة عن المواجهات الخارجية، إذ عاد ملف تجنيد اليهود الحريديم ليتحول إلى قنبلة سياسية واجتماعية تهدد استقرار حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتكشف انقسامات عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن مفهوم المساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية، وفقًا لصحيفة “معاريف”.

وتأتي الأزمة في لحظة حساسة يعاني فيها الجيش الإسرائيلي من ضغوط تشغيلية متزايدة ونقص متراكم في القوى البشرية، بينما يرفض عشرات الآلاف من طلاب المدارس الدينية الحريدية الانضمام إلى الخدمة العسكرية الإلزامية المفروضة على معظم الإسرائيليين. وتصف مؤسسات أمنية إسرائيلية هذه القضية بأنها من أخطر الأزمات الداخلية التي تواجه الدولة منذ سنوات.

احتجاجات تغلق الطريق الرئيسي إلى القدس

بلغ التوتر ذروته عندما أغلق عشرات المحتجين الحريديم الطريق السريع رقم 1، الذي يربط القدس بتل أبيب، احتجاجًا على اعتقال أحد الشبان المتخلفين عن أوامر التجنيد.

وكشفت مشاهد بثتها وسائل إعلام إسرائيلية قيام المحتجين بقطع الطريق لساعات، قبل أن تتدخل الشرطة لتفريقهم باستخدام وسائل مكافحة الشغب وإعادة فتح المسار الحيوي أمام حركة المرور، في مشاهد أعادت إلى الأذهان سلسلة احتجاجات شهدتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية ضد محاولات فرض التجنيد على طلاب المعاهد الدينية.

حاخامات يتحدثون عن “حرب” ضد الدولة

في تطور لافت، صعّد عدد من كبار الحاخامات خطابهم تجاه الحكومة ومؤسسات الدولة، حيث قال الحاخام البارز موشيه هيرش خلال مؤتمر لطلاب المدارس الدينية في القدس إن الحريديم يخوضون “حربًا حقيقية”، موضحًا أن المقصود ليس الحرب مع إيران أو الجبهات الخارجية، بل الصراع ضد الجهات التي تسعى - بحسب تعبيره - إلى تدمير عالم دراسة التوراة وإجبار طلابه على الخدمة العسكرية.

وتعكس هذه التصريحات حجم التوتر المتصاعد بين المؤسسة الدينية الحريدية والدولة، إذ يرى قادة الحريديم أن الدراسة الدينية تمثل مساهمة أساسية في حماية إسرائيل، بينما يرفض قطاع واسع من الإسرائيليين استمرار الإعفاءات الجماعية من الخدمة العسكرية.

الجيش يحذر من نقص متفاقم في الجنود

تتزامن الأزمة مع تحذيرات متكررة من المؤسسة العسكرية بشأن الحاجة الملحة إلى مزيد من الجنود، ووفقًا لصحيفة “جيروزاليم بوست”، يواجه الجيش نقصًا متزايدًا في قوات المشاة والوحدات القتالية، بينما تتزايد الضغوط على جنود الاحتياط الذين تم استدعاء أعداد كبيرة منهم لفترات طويلة خلال السنوات الأخيرة.

وأفاد مسؤولون عسكريون بأن استمرار استثناء عشرات الآلاف من الشبان الحريديم من الخدمة أصبح يشكل عبئًا متزايدًا على الجيش، ويقوض مبدأ تقاسم الأعباء الذي يعد أحد ركائز المجتمع الإسرائيلي الحديث.

أزمة تهدد مستقبل الائتلاف الحاكم

سياسيًا، يمثل ملف التجنيد أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لحكومة نتنياهو، إذ تعد الأحزاب الحريدية شريكًا أساسيًا في الائتلاف الحاكم، وقد ربطت استمرار دعمها للحكومة بتمرير تشريعات تضمن إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية.

في المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطًا متزايدة من أحزاب اليمين والقوميين ومن قطاعات واسعة من الرأي العام تطالب بإنهاء الامتيازات التاريخية الممنوحة للحريديم وإخضاعهم للقواعد نفسها التي تنطبق على بقية المواطنين.

ويرى خبراء أن أي محاولة لفرض التجنيد بالقوة قد تؤدي إلى انسحاب الأحزاب الحريدية من الائتلاف، ما يهدد الأغلبية البرلمانية للحكومة ويفتح الباب أمام انتخابات مبكرة.

تصاعد المواجهة مع القضاء

وأشارت “جيروزاليم بوست” إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على الخلاف السياسي، بل امتدت إلى مواجهة مباشرة مع مؤسسات الدولة، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة حوادث استهدفت شخصيات قضائية مرتبطة بملف التجنيد، ما أثار مخاوف من تصاعد الاحتقان بين الحريديم والسلطات.

كما زادت الانتقادات الموجهة إلى المحكمة العليا الإسرائيلية بعد سلسلة أحكام طالبت الحكومة بوضع حد للإعفاءات الواسعة من الخدمة العسكرية، معتبرة أن الوضع القائم يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون.

معادلة معقدة أمام نتنياهو

تكشف أزمة التجنيد عن واحدة من أعقد المعضلات السياسية في إسرائيل المعاصرة؛ فإذا استجاب نتنياهو لمطالب الأحزاب الحريدية فإنه يواجه غضب قطاعات واسعة من الإسرائيليين الذين يرون أن أبناءهم يتحملون وحدهم أعباء الخدمة والحروب، أما إذا خضع لضغوط الجيش والمحكمة العليا وفرض التجنيد على الحريديم فقد يخسر الحلفاء الذين يعتمد عليهم للبقاء في السلطة.

ولهذا يرى محللون أن الأزمة تجاوزت كونها خلافًا حول الخدمة العسكرية، وأصبحت اختبارًا لمستقبل العلاقة بين الدين والدولة، ولمدى قدرة إسرائيل على الحفاظ على تماسكها الداخلي في وقت تواجه فيه تحديات أمنية وسياسية متزايدة.