< إثيوبيا تزعم أن مصر تعرقل جهودها للحصول على منفذ على البحر الأحمر
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

إثيوبيا تزعم أن مصر تعرقل جهودها للحصول على منفذ على البحر الأحمر

أرشيفية
أرشيفية

في سياق إقليمي شديد التعقيد، ومع تصاعد التوترات في القرن الإفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر، زعمت إثيوبيا أن مصر تعمل على عرقلة مساعيها للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، في تطور يعكس انتقال الخلافات بين البلدين من إطارها التقليدي المرتبط بسد النهضة ومياه نهر النيل إلى فضاء جيوسياسي أوسع وأكثر تشابكا، وجاءت تلك المزاعم في سياق تقرير صادر عن معهد الدراسات الدولية في أديس أبابا.

من سد النهضة إلى “هلال تطويق” إقليمي

تشير تحليلات إستراتيجية حديثة إلى أن العلاقة بين القاهرة وأديس أبابا لم تعد محصورة في ملف حصص المياه، بل دخلت مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي، فبينما كان الصراع في السابق يتركز على سد النهضة كملف تفاوضي مباشر، تتجه القراءة الإثيوبية الحالية إلى اعتبار أن القاهرة اعتمدت نهجا مختلفا يقوم على ما يمكن وصفه بـ“تطويق إقليمي” لإثيوبيا عبر محيطها الجغرافي.

وبحسب هذا التصور، فإن التحركات المصرية لم تعد موجهة مباشرة نحو ملف السد، بل باتت تمتد إلى نقاط حساسة في محيط إثيوبيا الاستراتيجي، بما يشمل القرن الإفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل، في إطار إعادة تشكيل موازين النفوذ الإقليمي.

البحر الأحمر.. ساحة التنافس الجديدة

في قلب هذا التحول، يبرز البحر الأحمر باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، ليس فقط لحركة التجارة الدولية، بل أيضا لارتباطه المباشر بأمن الطاقة والموانئ وخطوط الإمداد العالمية.

وترى إثيوبيا أن حرمانها من منفذ بحري مباشر يمثل أحد أكبر القيود البنيوية على اقتصادها، وهو ما يدفعها إلى البحث عن خيارات بديلة لتعزيز حضورها اللوجستي في الإقليم.

في المقابل، تتمسك القاهرة بمبدأ أن أمن البحر الأحمر يظل شأنا سياديا للدول المطلة عليه، وأن أي ترتيبات تتعلق به يجب أن تمر عبر أطر إقليمية واضحة تحافظ على توازنات الأمن القومي.

“قوس تطويق” إقليمي.. قراءة جديدة لمعادلة النفوذ

في قراءة تحليلية حديثة صادرة عن معهد الشؤون الخارجية، يتم تقديم ما يوصف بـ“قوس تطويق” يحيط بإثيوبيا من عدة اتجاهات جغرافية. هذا القوس، وفق التحليل، لا يعتمد على المواجهة المباشرة، بل على إعادة ترتيب النفوذ عبر محيط إثيوبيا الحيوي.

ويتمثل هذا القوس في ثلاثة محاور رئيسية:

محور شمالي مرتبط بالسودان والتحولات الداخلية فيه، علاوة على محور شرقي يركز على سواحل البحر الأحمر والتفاعلات مع إريتريا، ثم محور جنوبي شرقي يتصل بالصومال وبنية الأمن في القرن الإفريقي.

وترى القراءة الإثيوبية أن هذا التموقع الإقليمي يعيد تشكيل بيئة الضغط حولها بطريقة غير تقليدية، تتجاوز أدوات الدبلوماسية الثنائية إلى هندسة شبكة نفوذ أوسع.

التحول من المواجهة المباشرة إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية

بعد انتهاء مرحلة التفاوض المكثف حول سد النهضة، ومع اكتمال بناء السد وتراجع مسار الوساطات التقليدية، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تعريف أدوات التأثير الإقليمي، فبدلا من بقاء الملف في إطاره المائي، انتقل التنافس إلى فضاءات متعددة تشمل الموانئ، والطرق البحرية، والتحالفات الأمنية، وهو ما جعل البحر الأحمر والقرن الإفريقي جزءا من معادلة أوسع لإعادة توزيع النفوذ في شرق إفريقيا.

البحر مقابل السد.. معادلة التوازن الجديدة

في المقابل، ترى أديس أبابا أن أي تحركات تهدف إلى إعادة صياغة ميزان القوى في محيطها الجغرافي ترتبط بشكل غير مباشر بملفها الأهم، وهو الوصول إلى البحر. لذلك، فإن مسألة المنفذ البحري لم تعد ملفا اقتصاديا فقط، بل تحولت إلى قضية سيادية مرتبطة بمستقبل الدولة الإثيوبية ودورها الإقليمي.

منطقة القرن الإفريقي.. تشابك الأزمات وتعدد اللاعبين

تتزامن هذه التطورات مع تزايد التنافس الإقليمي والدولي في القرن الإفريقي، حيث تتداخل مصالح دول كبرى وإقليمية في ملفات الأمن البحري والبنية التحتية والموانئ.

هذا التشابك يجعل من الصعب فصل أي ملف ثنائي عن السياق الأوسع، إذ تتحول كل خطوة دبلوماسية إلى جزء من شبكة أوسع من التفاعلات التي تشمل البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الإفريقي في آن واحد، وفقا لمجموعة الأزمات الدولية، ومقرها بروكسل.

بين الجغرافيا والسياسة.. ملف مفتوح على المدى الطويل

يبقى ملف وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر أحد أكثر القضايا حساسية وتعقيدا في الإقليم، إذ يجمع بين اعتبارات الجغرافيا الصارمة وطموحات التنمية الاقتصادية من جهة، وبين اعتبارات السيادة والأمن الإقليمي من جهة أخرى.

ومع استمرار تباين الرؤى بين القاهرة وأديس أبابا، يبدو أن هذا الملف مرشح للبقاء في دائرة التوتر الدبلوماسي، ضمن مشهد إقليمي يتغير بسرعة ويعاد تشكيله وفق توازنات جديدة لا تزال في طور التشكل.