الدوران للخلف.. أوروبيون على السوشيال ميديا: "ترامب يغير مواقفه أكثر من ملابسه"
في المشهد الجيوسياسي العالمي المضطرب خلال عام ٢٠٢٦، لم يعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد سياسي كبير ومهم يثير الجدل داخل الولايات المتحدة، بل تحول إلى ظاهرة سياسية وإعلامية تفرض نفسها يوميا على الرأي العام الأوروبي. فمن باريس إلى برلين، ومن لندن إلى وارسو، باتت عبارة واحدة تتكرر بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي البرامج السياسية والصحف الكبرى: "ترامب يغير مواقفه أكثر من تغيير ملابسه"، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية.
هذه العبارة التي بدأت بوصف ساخر لتحولات الرئيس الأمريكي السريعة، تحولت تدريجيا إلى انعكاس لحالة قلق حقيقية داخل أوروبا من إدارة أمريكية تبدو قراراتها رهينة المزاج السياسي اللحظي، والتغريدات المفاجئة، والتراجع السريع بعد التصعيد. وبينما كانت القارة الأوروبية تنظر تاريخيا إلى واشنطن باعتبارها مركز الاستقرار الغربي، تجد نفسها اليوم أمام حليف يصعب التنبؤ بخطواته التالية، وفقا لموقع بوليتيكو.
من أوكرانيا إلى جرينلاند.. سياسة تقوم على الصدمة ثم التراجع
منذ عودته إلى البيت الأبيض، اعتمد ترامب أسلوبا سياسيا قائما على المفاجأة القصوى. ففي ملف الحرب الأوكرانية، أثار الذعر داخل أوروبا الشرقية عندما لمح إلى احتمال تقليص الدعم الأمريكي لكييف، قبل أن يعود لاحقا ويتحدث عن قدرة أوكرانيا على استعادة أراضيها كاملة بعد اجتماعات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
لكن المشهد لم يستقر طويلا؛ إذ بدأت تسريبات داخل الإدارة الأمريكية تتحدث عن رغبة ترامب في دفع كييف نحو تسوية تتضمن تنازلات لموسكو، وهو ما أثار قلقا عميقا في بولندا ودول البلطيق التي تعتبر أي تراجع أمريكي تهديدا مباشرا لأمنها القومي.
الأمر نفسه تكرر في ملف جرينلاند، بعدما عاد ترامب لإحياء فكرة السيطرة الأمريكية على الجزيرة الدنماركية، مستخدما لغة هجومية أثارت غضبا واسعا داخل أوروبا وحلف الناتو. ولم تمض أيام حتى بدأت واشنطن تخفف لهجتها وتتراجع جزئيا، لتدخل العواصم الأوروبية مجددا في دوامة التساؤلات: هل كانت التهديدات جدية أم مجرد مناورة تفاوضية جديدة؟ وهو تساؤل طرحته صحيفة فايننشال تايمز.
حرب الرسوم الجمركية تعمق أزمة الثقة
ولم تتوقف التقلبات عند الملفات العسكرية والجيوسياسية، بل امتدت إلى الاقتصاد والتجارة. فقد هدد ترامب بفرض رسوم جمركية قاسية على السيارات الألمانية والمنتجات الفرنسية، ما تسبب في اضطرابات واسعة داخل الأسواق الأوروبية، خصوصا في ألمانيا التي تعتمد صناعتها بصورة كبيرة على التصدير.
ورغم أن البيت الأبيض عاد لاحقا وخفف من حدة تهديدات ترامب، فإن الضرر السياسي كان قد وقع بالفعل. فداخل أوروبا، بدأت تتصاعد قناعة بأن العلاقات الاقتصادية مع واشنطن لم تعد قائمة على قواعد مستقرة، بل على قرارات متغيرة يمكن أن تنقلب خلال ساعات.
وتحدث مسؤولون أوروبيون عن مخاوف متزايدة من استخدام الولايات المتحدة التجارة والرسوم الجمركية كسلاح سياسي للضغط على الحلفاء، في وقت تعاني فيه الاقتصادات الأوروبية أصلا من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الطاقة.
السوشيال ميديا تحول ترامب إلى مادة يومية للسخرية
لكن الساحة الأكثر ضجيجا كانت مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحولت تقلبات ترامب إلى مادة ساخرة لا تنتهي. وخلال أشهر قليلة، امتلأت المنصات الرقمية الأوروبية بمقاطع الفيديو الساخرة والصور المركبة التي تسخر من التناقضات اليومية في مواقف الرئيس الأمريكي.
وانتشرت هاشتاجات تتحدث عن "الانعطافات السياسية" و"التراجع بعد التهديد"، بينما حصدت المقاطع التي تجمع تصريحات ترامب المتناقضة ملايين المشاهدات.
وفي ألمانيا، ركزت السخرية على ملف الرسوم الجمركية وصناعة السيارات، أما في فرنسا فقد تحولت حسابات كثيرة إلى منصات تمجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باعتباره "صوت العقل الأوروبي" في مواجهة الفوضى السياسية القادمة من واشنطن.
وفي بولندا، امتزجت السخرية بالخوف الحقيقي، إذ يرى كثير من البولنديين أن مستقبل أمن بلادهم بات مرتبطا برئيس أمريكي يغير مواقفه بصورة مفاجئة ومتكررة.
التفكير بعقلية ما بعد أمريكا
وراء السخرية والميمز والهاشتاجات، تتشكل داخل أوروبا قناعة أعمق وأكثر خطورة: الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد ضمانة مستقرة كما كان طوال العقود الماضية.
فالتقلبات الأمريكية المتواصلة دفعت عددا متزايدا من القادة الأوروبيين إلى الحديث عن ضرورة بناء استقلال دفاعي وسياسي أوروبي حقيقي. فرنسا تقود هذا الاتجاه بقوة، بينما بدأت حتى ألمانيا، المعروفة تاريخيا باعتمادها الأمني على واشنطن، تناقش ضرورة تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية وتقليل الاعتماد على المظلة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، تخشى المؤسسات الاقتصادية الأوروبية من أن تتحول السياسة الأمريكية إلى مصدر دائم لعدم اليقين المالي، بعدما أصبحت تصريحات ترامب المفاجئة قادرة على تحريك الأسواق العالمية خلال دقائق.
من النكات إلى التحولات الجيوسياسية
لم تعد عبارة "ترامب يغير مواقفه أكثر من تغيير ملابسه" مجرد مزحة تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي الأوروبية، بل أصبحت تعبيرا عن تحوّل عميق في شكل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة.
فالقارة الأوروبية التي اعتادت لعقود الاعتماد على واشنطن بوصفها الحليف الأكثر استقرارا، تجد نفسها اليوم أمام إدارة يصعب توقع قراراتها، وتنتقل من التصعيد إلى التراجع بسرعة غير مسبوقة.
وبينما يتابع ملايين الأوروبيين فصول "الدراما الأمريكية" اليومية على هواتفهم، تدرك العواصم الغربية أن العالم يدخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الولايات المتحدة ذلك الشريك القابل للتوقع كما كان في الماضي.
وفي قلب هذه الفوضى، يبقى دونالد ترامب بالنسبة لكثير من الأوروبيين مزيجا معقدا من الترفيه السياسي والقلق الاستراتيجي؛ رجل يستطيع أن يشعل أزمة عالمية في الصباح، ثم يتراجع عنها مساء، تاركا قارة بأكملها تترقب التصريح التالي.