< مغبة التهويل السياسي.. كذبة نتنياهو الكبرى بشأن مشروع إيران النووي
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مغبة التهويل السياسي.. كذبة نتنياهو الكبرى بشأن مشروع إيران النووي

الرئيس نيوز

قبل اندلاع الغارات الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران، زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن العالم أصبح على بعد أسابيع من القنبلة الإيرانية، ويرى الكاتب ديفيد ستوكمان، وهو مسؤول أمريكي سابق شغل منصب مدير مكتب الإدارة والميزانية في عهد الرئيس رونالد ريجان، أن الرواية المتداولة في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي حول اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي خلال أسابيع قليلة، استنادا إلى امتلاكها مخزون من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، تمثل تبسيطًا شديدًا لواقع تقني معقد، وتحوي قدرًا كبيرًا من التهويل السياسي الذي لا يعكس بدقة طبيعة القدرات النووية الفعلية أو المسار الهندسي اللازم للوصول إلى سلاح نووي قابل للاستخدام.

ويشير المقال المنشور على موقع “أنتي وور”، وهو منصة أمريكية معروفة بتوجهها النقدي للسياسات العسكرية والتدخلات الخارجية، إلى أن تحويل نسبة التخصيب وحدها إلى مؤشر زمني مباشر لصناعة القنبلة النووية هو خطأ تحليلي جوهري، لأن هذا النوع من المقاربات يتجاهل الفارق الحاسم بين امتلاك مادة مخصبة وبين القدرة الفعلية على تحويلها إلى نظام سلاح متكامل، وهو فارق لا يقاس بالوقت القصير أو التقديرات السياسية السريعة بل بسلسلة طويلة من العمليات العلمية والهندسية المتداخلة.

400 كيلو يورانيوم لا تعني امتلاك سلاح نووي

وفي هذا السياق، يوضح الكاتب أن امتلاك إيران لنحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لا يعني أنها باتت على عتبة امتلاك سلاح نووي، حتى لو أمكن تقنيا رفع هذه النسبة إلى مستوى 90%، لأن هذه الخطوة لا تمثل سوى مرحلة واحدة ضمن مسار أطول بكثير يبدأ من إنتاج المادة الانشطارية ولا ينتهي إلا عند بناء "الحزمة الفيزيائية" للسلاح النووي، وهي الجزء الأكثر تعقيدا في المنظومة كلها، والذي يشمل تصميم نظام التفجير، وضبط الانفجار المتزامن بدقة فائقة، وتصنيع قلب معدني عالي الكثافة، إضافة إلى هندسة مواد متفجرة موجهة بشكل يسمح بخلق ضغط كروي منتظم يؤدي إلى بدء التفاعل النووي المتسلسل في جزء من الميكروثانية.

ويفصل المقال في الطبيعة الصناعية لعملية تخصيب اليورانيوم، موضحًا أنها ليست عملية سحرية أو قفزة علمية مفاجئة، بل سلسلة من الخطوات الميكانيكية المتكررة داخل أجهزة طرد مركزي تعمل بسرعات هائلة، حيث يتم فصل نظائر اليورانيوم-235 عن اليورانيوم-238 تدريجيا عبر آلاف الدورات المتتابعة، وكل دورة لا تضيف سوى زيادة طفيفة جدا في مستوى التخصيب، ما يجعل الوصول إلى مستويات مرتفعة عملية تراكمية تعتمد على الوقت والبنية التحتية وعدد الأجهزة، وليس على أي اختراق تقني مفاجئ يمكنه نقل الدولة من مستوى إلى آخر خلال أيام أو أسابيع.

وبحسب هذا التحليل، فإن الانتقال من مستويات منخفضة أو متوسطة من التخصيب إلى مستوى 90% اللازم نظريا للاستخدام العسكري يتطلب ليس فقط استمرار تشغيل سلاسل طويلة من أجهزة الطرد المركزي، بل أيضا إدارة دقيقة للمواد، وتكرار عمليات الفصل عبر شبكات صناعية واسعة، وهو ما يجعل العملية أقرب إلى مشروع صناعي ضخم طويل الأمد منها إلى مرحلة نهائية سريعة يمكن اجتيازها بمجرد توفر مخزون وسيط من اليورانيوم عالي التخصيب.

منظومة هندسية متكاملة

ويؤكد الكاتب أن الخطأ الأكبر في الخطاب السياسي السائد هو افتراض أن امتلاك المادة الانشطارية يعادل امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي، بينما الواقع أن السلاح النووي يتطلب منظومة هندسية متكاملة تتجاوز بكثير مسألة التخصيب، وتشمل تصميم نظام تفجير متزامن بدقة نانومترية، وضبط تزامن الانفجار عبر عشرات نقاط التفجير في اللحظة نفسها، إضافة إلى تصنيع قلب معدني شديد التخصيب يتم تشكيله وفق هندسة كروية دقيقة للغاية، مع ضمان استقرار السلاح أثناء التخزين والنقل والإطلاق، وهي عناصر لا يمكن تطويرها بسرعة أو بشكل سري بالكامل دون سلسلة طويلة من الاختبارات والتجارب.

ومن هذا المنظور، يعرض المقال مقارنة غير مباشرة مع عدد من الدول التي تمتلك قدرات تخصيب اليورانيوم دون أن تمتلك أسلحة نووية، ليشير إلى أن امتلاك البنية التحتية للتخصيب لا يؤدي تلقائيا إلى امتلاك القدرة العسكرية، بل يعتمد الأمر على القرار السياسي والانتقال الفعلي إلى مرحلة تسليح تتطلب بنية علمية وصناعية مختلفة كليا، وهو ما تؤكد تقديرات الاستخبارات الأمريكية المتعاقبة أنه لم يحدث في الحالة الإيرانية منذ توقف البرنامج العسكري المنظم في أوائل العقد الأول من القرن الحالي.

كما يذهب الكاتب إلى أن البرنامج النووي الإيراني، في جوهره، تطور في إطار الاستخدامات المدنية المرتبطة بإنتاج الطاقة، خاصة مع تشغيل مفاعل بوشهر الذي يحتاج إلى وقود منخفض التخصيب، وهو ما يفسر استثمار إيران في بناء قدرات تخصيب محلية في ظل العقوبات والقيود الدولية التي حدت من قدرتها على استيراد الوقود النووي الجاهز، الأمر الذي جعل امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة هدفا تقنيا واقتصاديا بقدر ما هو سياسي، وليس بالضرورة مشروعا موجها نحو إنتاج سلاح نووي.

سردية التهديد العاجل

وفي ختام التحليل، ينتقد المقال بشدة ما يصفه بسردية "التهديد العاجل"، التي تقدم الملف النووي الإيراني على أنه سباق زمني قصير نحو القنبلة، معتبرا أن هذه السردية تتجاهل الفجوة العلمية والهندسية العميقة بين امتلاك المواد المخصبة وبين القدرة على تصنيع سلاح نووي فعلي، كما تتجاهل التعقيدات الصناعية واللوجستية والاختبارية التي تجعل أي انتقال إلى مستوى السلاح عملية طويلة ومركبة وليست قرارا تقنيا يمكن تنفيذه خلال أسابيع.

وبذلك خلص الكاتب إلى أن تصوير إيران على أنها على بعد أسابيع فقط من امتلاك قنبلة نووية لا يستند إلى تقييم علمي متكامل بقدر ما يعكس قراءة سياسية مكثفة للملف النووي، تقوم على اختزال شديد للواقع التقني، وتضخيم عنصر واحد داخل منظومة معقدة، بينما الحقيقة، وفق هذا الطرح، أن المسافة بين التخصيب والسلاح لا تزال طويلة ومعقدة وتتطلب مراحل متعددة لا يمكن القفز فوقها بالشعارات أو التقديرات السريعة.