نتنياهو يضيق دائرة القرار.. وإشارات إلى تصعيد جديد مع إيران ولبنان
تحول الصمت في تل أبيب إلى جزء من معركة أمنية واسعة تدور خلف الأبواب المغلقة، فخلال الساعات الماضية، تصاعدت مؤشرات غير مسبوقة على أن الحكومة الإسرائيلية تقترب من لحظة حاسمة تتعلق بإيران ولبنان معًا، بعدما قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نقل الملفين إلى دائرة ضيقة شديدة السرية، وسط تقديرات تتحدث عن احتمالات تصعيد عسكري قد يعيد إشعال المنطقة بأكملها.
ووفقًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية، فإن أجواء التوتر داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية تعكس شعورًا متزايدًا بأن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة شديدة الخطورة قد تتجاوز حدود المواجهة التقليدية.
وجاءت التحركات الإسرائيلية الأخيرة في توقيت بالغ الحساسية، إذ عقد نتنياهو اجتماعًا أمنيًا مصغرًا بصورة طارئة بدلًا من المجلس الوزاري الأمني الموسع، في خطوة فسرتها الأوساط السياسية باعتبارها مؤشرًا على وجود تطورات استخباراتية بالغة الخطورة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والتحركات العسكرية الإقليمية.
وزاد الغموض بعدما ألغيت اجتماعات رسمية أخرى بصورة مفاجئة، بينما فرضت تعليمات صارمة على الوزراء والمسؤولين بعدم الإدلاء بأي تصريحات غير منسقة للإعلام.
فشل الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد طهران
وفي خلفية هذه السرية، تتزايد القناعة داخل إسرائيل بأن نافذة الوقت المتاحة لمنع إيران من تعزيز قدراتها النووية بدأت تضيق بسرعة، فالتقديرات الأمنية الإسرائيلية ترى أن أي اتفاق لا يتضمن إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من الأراضي الإيرانية سيعد عمليًا فشلًا استراتيجيًا للحملة العسكرية والسياسية التي خاضتها إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة ضد طهران، وفقا لمصادر إسرائيلية مطلعة.
وترى دوائر صنع القرار في تل أبيب أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار البرنامج النووي الإيراني، بل في احتمال أن تستغل القيادة الإيرانية حالة الفوضى الإقليمية والضغوط الدولية لإعادة تسريع مشروعها النووي والوصول إلى مرحلة إنتاج قنبلة نووية خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، تكثفت الاتصالات الأمنية والعسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة بصورة لافتة، في ظل تنسيق متواصل حول مستقبل المواجهة مع إيران.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن واشنطن قد تتجه في نهاية المطاف إلى تنفيذ ضربة عسكرية محدودة تستهدف منشآت أو مواقع استراتيجية داخل إيران بهدف إجبار النظام الإيراني على تقديم تنازلات تتعلق بالملف النووي.
في المقابل، رفعت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مستوى الجاهزية إلى درجات غير مسبوقة، فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو بات مستعدًا للتعامل مع جميع السيناريوهات، فيما شهدت القواعد الجوية تدريبات مكثفة وتحركات لافتة لطائرات التزود بالوقود، وهي مؤشرات ترتبط عادة بالتحضير لعمليات بعيدة المدى قد تشمل العمق الإيراني.
إيران لا تزال تحتفظ بقدرات نووية كبيرة
وتؤكد تقديرات مراكز الأبحاث الأمنية في إسرائيل أن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات نووية كبيرة رغم الضربات السابقة، وأن رفضها تقديم تنازلات جوهرية في ملف التخصيب يعزز الاعتقاد بأنها تعتبر المشروع النووي ضمانة استراتيجية لبقاء النظام وردع أي هجمات مستقبلية.
وبحسب هذه الرؤية، فإن الحرب الأخيرة لم تدفع إيران إلى التراجع، بل ربما زادت اقتناعها بضرورة امتلاك قدرة نووية عسكرية كاملة، خصوصًا بعد تعرضها لضغوط عسكرية واقتصادية غير مسبوقة من الولايات المتحدة وإسرائيل معًا.
أما على الجبهة اللبنانية، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا وخطورة. إذ تتزايد المخاوف داخل إسرائيل من تطور المواجهات الحدودية مع حزب الله إلى حرب واسعة، في ظل استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة وقذائف الهاون على المواقع الإسرائيلية، إضافة إلى تنامي استخدام المسيرات الانتحارية المتطورة التي باتت تمثل تحديًا أمنيًا كبيرًا للجيش الإسرائيلي.
توسيع العمليات داخل جنوب لبنان
وفي هذا السياق، صعدت الحكومة الإسرائيلية من لهجتها بصورة غير مسبوقة، إذ هدد مسؤولون عسكريون وسياسيون بتوسيع العمليات داخل جنوب لبنان، مع التلويح بإجراءات قد تمتد إلى ما بعد نهر الليطاني، ضمن خطة تهدف إلى إنشاء واقع أمني جديد على الحدود الشمالية.
كما بدأت إسرائيل اختبار منظومات ميدانية جديدة لمواجهة خطر الطائرات المسيرة الانتحارية، ومن بينها نظام يعتمد على طائرات اعتراض مزودة بشباك إلكترونية تهدف إلى إسقاط المسيرات المعتمدة على الألياف البصرية، وهي التكنولوجيا التي باتت تستخدم بكثافة في المواجهات الأخيرة.
ورغم أن هذه الأنظمة لا تزال في مراحلها التجريبية ولم تحقق نجاحات حاسمة حتى الآن، فإن نشرها يعكس حجم القلق الإسرائيلي من التحول المتسارع في طبيعة الحرب الحديثة، حيث أصبحت الطائرات الصغيرة الرخيصة قادرة على تهديد قوات وجيوش متطورة بصورة غير مسبوقة.
وفي موازاة التصعيد العسكري، لا تزال إسرائيل تراهن على المسار الدبلوماسي الأميركي لمنع انزلاق لبنان إلى مواجهة شاملة إذا اندلعت ضربة مباشرة ضد إيران.
وتشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن واشنطن تحاول الحفاظ على التهدئة في الساحة اللبنانية وإبقاء الحكومة اللبنانية بعيدة من أي حرب إقليمية مفتوحة.
لكن داخل إسرائيل نفسها، يتزايد الشعور بأن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة ما قبل الانفجار، وأن التوازنات القديمة التي حكمت العلاقة بين إيران وإسرائيل ولبنان خلال السنوات الماضية بدأت تتفكك تدريجيًا تحت ضغط المواجهات العسكرية والنووية والتغيرات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط.