< "الناتو الإسلامي".. خمس دول تختبر ملامح حلف جديد في الشرق الأوسط
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

"الناتو الإسلامي".. خمس دول تختبر ملامح حلف جديد في الشرق الأوسط

الرئيس نيوز

في يناير الماضي، رصدت عدسة المصور الرسمي للخارجية التركية مشهدًا لافتًا على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي وهو مشهد وقوف أربعة وزراء خارجية صفًا واحدًا للتصوير؛ هاكان فيدان من تركيا، وفيصل بن فرحان من المملكة العربية السعودية، وبدر عبد العاطي من مصر، وإسحاق دار من باكستان، ربما تبدو صورة عابرة في ظاهرها، لكنها تختزل في عمقها مسار تحول جيوسياسي من المحتمل أن يعيد صياغة موازين القوى في منطقة تحترق.

لقاءات متكررة وتوقيت استثنائي

ووفقا لموقع مجلس الشرق الأوسط للشؤون الخارجية، ومقره الدوحة، وقبل أشهر من اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أخذت قوى إقليمية كبرى تضع الأسس لشراكة أمنية قادرة على إعادة تشكيل الجيوسياسة في الشرق الأوسط، فقد اجتمع وزراء خارجية تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية ومصر مرات عدة لتنسيق ردود الفعل على بيئة أمنية بالغة الخطورة والاضطراب، وكان آخر هذه اللقاءات على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي. 

وعلى الرغم من أن هذه المبادرة لا تشكل تحالفًا عسكريًا رسميًا بالمعنى الكلاسيكي، فإن التعاون الأمني يحتل مكانة محورية فيها، إذ تمثل الهواجس الأمنية الدافع الأول للعمل الجماعي. والسؤال لم يعد: هل تتوافق هذه الدول؟ بل: إلى أي مدى يمكن أن يبلغ هذا التوافق، وما الذي يعيقه؟

تهديدات مشتركة تصنع حلفاء غير متوقعين

يمر الشرق الأوسط بواحدة من أكثر مراحله اضطرابًا، تحت وطأة سياسات زعزعة الاستقرار التي تنتهجها كل من إيران وإسرائيل، القوتان العسكريتان اللتان تسيران في مسارات أحادية الجانب دون اعتبار للتوازنات الإقليمية. 

فمنذ السابع من أكتوبر 2023، شنّت إسرائيل هجمات على ست دول على الأقل، واحتلت أراضي في لبنان وسوريا، وأدارت حرب إبادة في غزة، ومضت في احتلالها وتهويدها للأراضي الفلسطينية، بل ذهب المسؤولون الإسرائيليون إلى حد الإيحاء بإمكانية استهداف دول أخرى في المستقبل، من بينها تركيا، مما يغذي مزيدًا من انعدام الاستقرار في المنطقة.

أما إيران فمنذ ثورتها عام 1979 لم تتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإقليمية، مستخدمةً تحالفاتها مع الجماعات الشيعية المحلية ذراعًا لإسقاط نفوذها الاستراتيجي.

وبينما توصّلت بعض الدول المتنافسة سابقًا — كالسعودية والإمارات — إلى تسويات مع طهران في السنوات الأخيرة، فإن الحرب الدائرة أفضت إلى تقويض تلك التفاهمات، في ظل هجمات إيران على جيرانها في إطار استراتيجيتها الانتقامية.

وفي مواجهة هذا العدوان المزدوج، سعت الأطراف الإقليمية إلى تأمين نفسها، وقد اعتمدت تاريخيًا على الضمانات الأمنية الأمريكية، غير أن المواجهات الأخيرة — بما فيها الضربات الإيرانية على دول الخليج — كشفت أن واشنطن إما عاجزة أو مقيدة بأولوية الأمن الإسرائيلي عن الردع الفعّال، مما أحبط دولًا عديدة تستضيف قوات أمريكية على أراضيها، وعجّل بالبحث عن بدائل إقليمية ذاتية.

خمسة أضلاع تحمل قوسًا واحدة

يكتسب هذا التكتل زخمه الحقيقي من تكامل القدرات لا تشابهها، إذ تسهم كل دولة بورقة استراتيجية لا تملكها الأخرى، فباكستان تمتلك أسلحة متطورة بما فيها القدرات النووية وجيشا محترفًا جيد التدريب، وإن كانت تعاني من ضائقة مالية تثقل ميزانيتها، مضافًا إليها تحديات أمنية على حدودها مع إيران والهند — التي تحظى بالدعم الإسرائيلي. 

أما المملكة العربية السعودية فتحوز قوة مالية هائلة، لكنها تظل عرضة للعمليات الإيرانية السافرة والإسرائيلية الخفية على حد سواء، ومصر تمتلك أضخم جيش في العالم العربي بأسطول قتالي معتبر، غير أن صانعي قرارها يُدركون أن واشنطن تنحاز باستمرار لإسرائيل في خلافاتها الثنائية والإقليمية، وأن اتفاقية السلام القائمة بين البلدين لا تعني بالضرورة أن إسرائيل ستكون جارًا يمكن الوثوق بتصرفاته مستقبلًا.

وبالنسبة لمصر تحديدًا، يمنحها الانضمام إلى تركيا وباكستان قدرًا أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية عبر تنويع مصادر تسليحها والحد من تبعيتها لأي راعي منفرد، أما تركيا فهي العضو في الناتو والأكثر تطورًا عسكريًا بين الخمسة مع صناعة دفاعية في تصاعد مستمر، وعلى الرغم من أنها لا تواجه تهديدًا إيرانيًا مباشرًا — إذ لم يتقاتل البلدان منذ عام 1639 — فإن المسؤولين الأتراك يتعاملون بجدية مع التصريحات الإسرائيلية التي تلمح إلى احتمال استهداف تركيا مستقبلًا.

تحالف أم شراكة؟

يرى الخبراء أن المجالات الأولى للتنسيق ستشمل مكافحة الإرهاب والأمن البحري والتعاون في الصناعات الدفاعية والاستجابة المنسقة لبؤر التوتر كغزة والسودان وليبيا. 

وهذه الأنشطة وإن لم ترقَ إلى مستوى التحالف العسكري الكامل، فإنها تظل ذات قيمة استراتيجية عالية، وقد تشجع على تعاون أعمق في ميادين أخرى. وامتلاك باكستان للأسلحة النووية يمثّل ربما الميزة الأبرز لهذا التكتل، إذ يوفر توازنًا مع إسرائيل وربما مع إيران.

بيد أن ثمة تباينات داخلية من شأنها تقييد مدى التكامل. فالتسمية الرسمية بـ"تحالف" قد تكون سابقة لأوانها، نظرًا لعمق التعاون الذي لا يزال غير محسوم، فقد أفرز الدعم التركي-القطري لحركات مرتبطة بتنظيم الإخوان الإرهابي إبان الربيع العربي توترات مع كل من السعودية ومصر، وعلى الرغم من تحسن العلاقات منذ ذلك الحين، فإن الثقة الراسخة والتكامل العميق يستلزمان مزيدًا من الوقت.

كما يمثل مستوى الاعتماد على الولايات المتحدة خط تقسيم محتملًا آخر؛ فالرياض والقاهرة أقل ميلًا من غيرهما لتحدي واشنطن وعلاقتها الخاصة بإسرائيل، وما دامت تبعيتهما للأمريكيين قائمة، سيظل تجنب استياء واشنطن ضرورة استراتيجية ملزِمة. 

في المقابل، تتمتع كل من تركيا وباكستان — وهما حليفتان أمريكيتان تخضعان لعقوبات على أجزاء من صناعتيهما الدفاعيتين — باستقلالية استراتيجية أوسع، مما يجعل الثلاثي التركي-الباكستاني-القطري أقرب إلى تحالف عسكري فعلي.

توافق البقاء في زمن الفوضى

تدفع التهديدات المشتركة هذه الدول الخمس إلى تجاوز خلافاتها وتعميق تعاونها في ميادين متعددة، مع إيلاء الأمن الأولوية القصوى. ويعكس هذا التوافق بحثًا عن استقلالية أمنية مُعظَّمة، ويمثّل استراتيجية قابلة للحياة للصمود الجماعي في شرق أوسط يزداد تشرذمًا، والسؤال المحوري يبقى: إلى أي مدى ستتوثّق العلاقة بين المملكة العربية السعودية ومصر والدول الثلاث الأخرى؟ والإجابة ستحددها المكاسب الملموسة التي تجنيها كل منهما من هذه الشراكة.

وما يجمع هذه الدول الخمس في نهاية المطاف ليس أيديولوجية مشتركة، بل تقاطع التهديدات وضرورات البقاء الاستراتيجي في عالم لم تعد فيه الضمانات الأمريكية يقينًا راسخًا، وربما في هذه اللحظة بالذات تولد التحالفات الكبرى.