مقترح إيران المكون من 14 بندا: اختبار نادر لميزان القوة بين التفاوض والتصعيد
في واحدة من أكثر لحظات الشرق الأوسط حساسية منذ سنوات، عاد ملف الأمريكية الإيرانية إلى واجهة المشهد الدولي عبر مقترح واسع النطاق يتضمن 14 بندًا، طرحته طهران كخطة لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة خلال 30 يومًا فقط، وفقا لموقع المجلس الأطلسي.
وجاءت المبادرة الإيرانية الجديدة في سياق عالمي يعج بالتوترات، وتتداخل فيه أزمة الطاقة الناتجة عن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، مع حسابات سياسية أمريكية معقدة يقودها الرئيس دونالد ترامب الساعي إلى تحقيق تقدم سريع قبل قمته المرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينج، وفقا لبلومبرج.
اتسم التعامل الغربي مع المقترح منذ اللحظة الأولى بالحذر المشوب بالشك. وترجح بلومبرج أن الخطة الإيرانية محاولة لإعادة رسم شروط التفاوض أكثر من كونها عرضًا نهائيًا للسلام، مع تأكيد متكرر على أن فرص قبولها في واشنطن تبدو محدودة في ضوء طبيعة البنود المطروحة وتعقيداتها السياسية والأمنية.
على المستوى البنيوي، يبدو المقترح الإيراني أشبه بحزمة سياسية متكاملة لا تقتصر على وقف إطلاق النار، بل تمتد إلى إعادة صياغة شاملة لمعادلات الصراع. فالبنود الأولى تدعو إلى وقف كامل للأعمال العسكرية خلال 30 يومًا، يرافقه رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، مع الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، في خطوة تعكس محاولة واضحة لإعادة إدماج الاقتصاد الإيراني في النظام المالي العالمي، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو الطابع التراكمي للمطالب الإيرانية، إذ لا تكتفي الخطة بإنهاء الحرب، بل تتقدم نحو إعادة توزيع أوراق القوة في الإقليم. إذ تتضمن بنودًا تدعو إلى انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران، وإنهاء القيود المفروضة على الحركة البحرية، إلى جانب تعويضات مالية عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية خلال فترة التصعيد العسكري.
وتذهب صحيفة فاينانشيال تايمز إلى أن أحد أكثر البنود حساسية يتمثل في ملف مضيق هرمز، حيث تقترح طهران إعادة فتحه تدريجيًا مقابل توليها دورًا مباشرًا في عمليات إزالة الألغام البحرية وتأمين الملاحة. هذا البند تحديدًا يحمل دلالة استراتيجية عميقة، لأنه يعيد تعريف دور إيران من طرف في النزاع إلى لاعب مسؤول عن إدارة أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
كما يشمل المقترح وقفًا شاملا للعمليات العسكرية في الساحات الإقليمية المرتبطة بالصراع، بما فيها الجبهات غير المباشرة في لبنان ومناطق أخرى، في محاولة واضحة لتفكيك شبكة التصعيد الإقليمي. غير أن النقطة الأكثر إثارة للجدل تبقى تأجيل ملف البرنامج النووي الإيراني إلى مرحلة لاحقة، وهو ما تعتبره واشنطن جوهر الخلاف الاستراتيجي وأحد خطوطها الحمراء غير القابلة للتجاوز.
في المقابل، تكشف المواقف الأمريكية المعلنة وغير المعلنة عن حالة من الانقسام بين ضغوط الواقع العسكري وحسابات السياسة الداخلية. فبحسب تقارير إعلامية أمريكية، تنظر إدارة ترامب إلى المقترح باعتباره ورقة تفاوضية تحمل في طياتها محاولة إيرانية لإعادة التموضع أكثر من كونها تنازلا حقيقيًا. ورغم إعلان البيت الأبيض أن الخطة “قيد الدراسة”، إلا أن الخطاب السياسي الأمريكي ما زال يركز على فكرة أن إيران لم تتحمل بعد التكلفة الكافية للحرب.
وتتمحور نقاط الخلاف الأساسية حول ملفين شديدي الحساسية: البرنامج النووي الإيراني من جهة، ومضيق هرمز من جهة أخرى. إذ تصر واشنطن على معالجة الملف النووي منذ البداية ضمن أي اتفاق شامل، بينما تحاول طهران تأجيله إلى مراحل لاحقة، ما يعكس تباينًا جوهريًا في فلسفة التفاوض بين الطرفين، وفقا لصحيفة واشنطن بوست.
على الصعيد الدولي، لم يكن الموقف أقل تعقيدًا. فالاتحاد الأوروبي تعامل مع المقترح بوصفه خطوة أولى يمكن البناء عليها، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة إدخال تعديلات جوهرية لضمان التوازن. أما الصين وروسيا، فقد أبدتا دعمًا أكثر مرونة للمبادرة، انطلاقًا من اعتبارات استراتيجية تتعلق باستقرار أسواق الطاقة وأمن الإمدادات، خصوصًا في ظل اعتماد الاقتصاد الصيني الكبير على النفط المار عبر مضيق هرمز.
ويعكس هذا التباين الدولي مشهدًا أوسع من الانقسام حول إدارة الأزمة، بين قوى غربية تميل إلى التشدد وربط التسوية بشروط صارمة، وقوى شرقية تفضل احتواء التوترات وتجنب انفجار إقليمي واسع النطاق.
اقتصاديًا، كان التأثير المباشر للصراع أكثر وضوحًا في أسواق الطاقة العالمية، حيث سجلت أسعار النفط قفزات حادة نتيجة استمرار التهديدات المرتبطة بإغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. وتشير بيانات الأسواق إلى أن أي تطور سياسي في الملف الإيراني ينعكس فورًا على حركة الأسعار، ما يجعل من المفاوضات الحالية عاملًا حاسمًا ليس فقط في السياسة الدولية، بل في استقرار الاقتصاد العالمي بأكمله.
ومع استمرار حالة الغموض، تبقى الأسواق رهينة التوتر السياسي، في ظل مخاوف من أن يؤدي فشل التفاوض إلى موجة جديدة من الاضطرابات في الإمدادات وارتفاع إضافي في الأسعار العالمية.
ومن زاوية التحليل الاستراتيجي، يعكس المقترح الإيراني إدراكًا دقيقًا لموازين القوة القائمة. فطهران تتحرك من موقع يمتلك أوراق ضغط حقيقية، في مقدمتها القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما يمنحها هامشًا تفاوضيًا واسعًا رغم الضغوط العسكرية. كما أن تأجيل الملف النووي يبدو كتكتيك محسوب لتفادي تقديم تنازلات مبكرة قد تُضعف موقعها التفاوضي لاحقًا، وفقا للمجلس الأطلسي.
في المقابل، تواجه واشنطن معضلة مزدوجة: فهي من جهة تسعى إلى منع أي اتفاق يفسر داخليًا على أنه انتصار إيراني، ومن جهة أخرى تدرك أن استمرار الحرب يحمل كلفة اقتصادية وسياسية متصاعدة، قد تمتد آثارها إلى الداخل الأمريكي والتحالفات الدولية.
وفي ضوء هذه التعقيدات، تبرز ثلاثة مسارات محتملة للمشهد. الأول يتمثل في رفض أمريكي مباشر يؤدي إلى استمرار التصعيد وربما توسيع رقعة المواجهة في الخليج. الثاني يقوم على قبول مشروط يتضمن إعادة صياغة البنود الأكثر حساسية، خاصة النووي والملاحة البحرية. أما الثالث، والأكثر تعقيدًا، فيتمثل في تدخل أطراف دولية كالصين أو الاتحاد الأوروبي لفرض صيغة تسوية وسطية تمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، ويبدو المقترح الإيراني كلحظة اختبار حقيقية لقدرة النظام الدولي على إدارة صراع شديد التعقيد بين منطق القوة ومنطق التفاوض.