لغز الـ 11 مطارا.. القاهرة ترفض عروضا دولية "متدنية" (القصة كاملة)
تسير مصر بخطى متأنية في ملف خصخصة مطاراتها، وسط ضغوط متصاعدة من صندوق النقد الدولي الذي يربط استمرار برنامج الدعم المالي بإحراز تقدم ملموس في مسار تخارج الدولة من القطاعات الاقتصادية، ويطالب بتسريع الإجراءات المصرية في هذا الاتجاه.
وتعكس هذه المعادلة توترًا هادئًا بين متطلبات الإصلاح الهيكلي التي يفرضها البرنامج البالغ ثمانية مليارات دولار، وحسابات القاهرة المتعلقة بتوقيت الصفقات وجودة العروض المتاحة، وفقًا لصحيفة أفريكا ريبورت.
عروض مرفوضة وملف متعثر
في إطار برنامج الشراكة مع القطاع الخاص، طرحت الحكومة المصرية منح عقود إدارة وتشغيل لأحد عشر مطارًا، بمساعدة مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي بوصفها مستشارًا في العملية. غير أن غالبية العروض الواردة قوبلت بالرفض، إذ رأت الحكومة أن التقييمات المقدمة لا تعكس القيمة الفعلية لهذه الأصول، لا سيما المطارات التي تخدم مراكز سياحية حيوية وتقع على ممرات حركة جوية مكثفة، وفقا لصحيفة فايننشال تايمز.
ويرتكز موقف القاهرة على أساس أن قبول عروض متدنية في ظروف اقتصادية ضاغطة لن يخدم مصلحة الدولة على المدى البعيد، وأن الهدف ليس الخصخصة بحد ذاتها بل الشراكة التي تجلب تطويرًا فعليًا وتضيف قيمة حقيقية للبنية التحتية والخدمات المقدمة للمسافرين.
في المقابل، يرى المستثمرون أن بعض المطارات الإقليمية تفتقر إلى ضمانات كافية لعوائد تشغيلية جاذبة في غياب حزم دعم واضحة من الجانب الحكومي، وفقا لبلومبرج، ما يعني وجوب بذل المزيد من الجهود الحكومية لتهدئة هذه المخاوف وتذليل العقبات ذات الصلة.
ضغط الصندوق يتصاعد
لا يخفي صندوق النقد الدولي قلقه من وتيرة التنفيذ المصرية، وقد ربط مراجعاته الدورية للبرنامج باشتراطات واضحة تتعلق بملف الخصخصة والتخارج الحكومي من الاقتصاد. وتشير تقارير غربية إلى أن الصندوق أبدى انزعاجًا من الفجوة بين الالتزامات المعلنة والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع، فيما يخص ملفات عدة من بينها المطارات.
وتتشابك في هذا الملف اعتبارات متعددة تتجاوز الجانب المالي البحت؛ إذ تنظر الحكومة إلى المطارات باعتبارها بنية تحتية ذات أبعاد استراتيجية تستدعي تدقيقًا مضاعفًا في اختيار الشركاء وصياغة العقود، بما يضمن ألا تتحول عقود الإدارة إلى تنازل فعلي عن السيطرة التشغيلية على منافذ حيوية للبلاد.
سياق اقتصادي ضاغط
تأتي هذه المفاوضات في مرحلة يعاني فيها الاقتصاد المصري ضغوطًا متراكمة، شملت انخفاضًا حادًا في قيمة الجنيه وارتفاعًا في معدلات التضخم وتراجعًا في احتياطيات النقد الأجنبي قبل أن تتعافى نسبيًا في أعقاب الاتفاق مع الصندوق وحزمة الاستثمارات الخليجية. وقد نفذت مصر جملة من الإصلاحات الصعبة في هذا الإطار، شملت تحرير سعر الصرف وتقليص دعم الطاقة وطرح حصص في عدد من شركات الدولة في السوق، غير أن ملف المطارات لا يزال يراوح مكانه.
ويرى بعض المحللين أن التأخير يعكس جزئيًا صعوبة تسعير هذه الأصول في بيئة استثمارية غير مستقرة، لا رفضًا مبدئيًا للشراكة مع القطاع الخاص. وهو ما قد يفسر إصرار الحكومة على انتظار عروض أفضل بدلًا من إغلاق الصفقات تحت ضغط الجداول الزمنية للصندوق.
على الرغم من التحديات القائمة، تواصل مؤسسة التمويل الدولية أداء دورها الاستشاري، بينما تكثف القاهرة اتصالاتها مع مشغلين دوليين بارزين من أوروبا وآسيا في إطار شروط جديدة أكثر تطورا، تهدف إلى تحقيق التوازن المنشود بين متطلبات المستثمرين والاعتبارات ذات الصلة بمصالح الدولة. ورغم أن التقدم في هذا الملف يسير بوتيرة بطيئة، فإنه يظل مستمرا، مع تحول الاهتمام إلى توقيت فتح المطارات أمام القطاع الخاص وطبيعة الشروط التي سيجري على أساسها هذا التوجه.