مصر كـ"قوة توازن".. كيف واجهت القاهرة مخططات "إعادة هندسة" الشرق الأوسط؟
وسط تشابكات إقليمية عميقة، وتوترات يشهدها الإقليم منذ العدوان الإسرائيلى المدعوم أمريكيا على قطاع غزة، بحجة الانتقام من المقاومة التي نفذت هجوم 7 أكتوبر، وحاليا العدوان على إيران ولبنان. برز الدور المصري كلاعب إقليمي يعمل على إعادة التوازن للمنطقة. بعدما عمدت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، على إعادة صياغة توازنات القوة، عبر الدفع نحو تفكيك أو إعادة هندسة البنية الأمنية الإقليمية التي استقرت لعقود، بما يفضي إلى "ترسيخ التفوق الإسرائيلي" وتمكينه من لعب دور مهيمن على القرارين السياسي والأمني في الإقليم.
محمد مرعي الباحث في المركز المصري للفكر والدراسات، كتب تحت عنوان (مصر كقوة توازن: لماذا ترفض القاهرة منطق الحروب في الشرق الأوسط؟). مؤكدا أن تحولات نوعية في السياسة الخارجية الأمريكية، تعكس انتقالًا من نمط إدارة التوازنات إلى نمط فرض الترتيبات، حتى وإن جاء ذلك على حساب علاقات واشنطن الاستراتيجية مع شركائها التقليديين في المنطقة، وفي سياق يتقاطع بوضوح مع أجندات اليمين الديني المتطرف الحاكم في إسرائيل.
الأمر الذي جعل القاهرة تنظر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بوصفها لحظة مفصلية شديدة الخطورة، ليس فقط لارتباطها بتوازنات القوى بين أطرافها المباشرة، بل لما تحمله من تداعيات عميقة تمس بنية الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، فضلًا عن انعكاساتها المباشرة على الأمن القومي المصري والعربي.
فالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا تمثل مجرد جولة تصعيد عسكري، بقدر ما تعكس محاولة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك في الإقليم، وفرض واقع جديد قد يفتح الباب أمام موجات ممتدة من عدم الاستقرار.
موقف مصري واضح
مع اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، وهي المواجهة التي سعت مصر مسبقًا لتجنبها والحيلولة دون وقوعها، تحركت القاهرة سريعًا وعلى مختلف المستويات السياسية والدبلوماسية والأمنية، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع اتساع نطاق الصراع، والدفع نحو العودة إلى طاولة المفاوضات، باعتبار الحلول السياسية والدبلوماسية المسار الوحيد القادر على تحقيق مصالح كافة الأطراف.
لماذا سعت القاهرة للتهدئة؟
واستهدفت القاهرة من محاولات التهدئة:
1 - الحفاظ على الأمن القومي المصري:
فالحفاظ على الأمن القومي المصري وصون المصالح الاستراتيجية للدولة، هو الركيزة الأساسية والحاكمة لكافة تحركات صانع القرار في السياسة الخارجية، وهو منطلق ثابت لم يتغير رغم تباين السياقات الإقليمية والدولية. وفي هذا الإطار، تنظر القاهرة إلى أي مواجهة واسعة النطاق، كالحرب الجارية، باعتبارها مصدر تهديد مباشر ومتعدد الأبعاد، لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد ليشمل التأثيرات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية.
صراع بهذا الحجم يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة، من بينها اضطراب ممرات الملاحة الحيوية، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وتراجع الاستثمارات والسياحة، فضلًا عن زيادة الضغوط على الاقتصاد الوطني في ظل بيئة دولية مضطربة. كما أن اتساع رقعة المواجهة يسهم في تعميق حالة السيولة وعدم الاستقرار التي يشهدها الشرق الأوسط، وهو ما يخلق بيئة أكثر خصوبة لتمدد التهديدات التقليدية وغير التقليدية، بما في ذلك الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، وتفكك بعض الدول الوطنية.
2 - الحفاظ على المصالح العربية:
يقول الباحث محمد مرعي: "تعي القاهرة جيدا أن هذه الحرب بين أطرافها الثلاث "واشنطن – تل أبيب – طهران"، لها تأثيرات مدمرة على المصالح والمقدرات العربية خاصة في دول الخليج العربي والتي ستدفع الفاتورة الأكبر من أمن واستقرار ومقدرات شعوبها في حال استمرت الحرب وتوسعت أو حتى في حال تماهت إدارة الرئيس ترامب مع تطلعات نتنياهو واليمين المتطرف في ضرورة إسقاط النظام الإيراني مهما كانت التداعيات والنتائج".
يوضح مرعي أنه على الرغم من مخاطر السلوك العدواني الإيراني تجاه دول الخليج وما فعله خلال الــ 40 عاما الماضية من إضعاف 4 عواصم عربية، لكن ترى القاهرة أن هناك مسارات واستراتيجيات يمكن العمل عليها عربيا في حال تم تجاوز الخلافات العربية العربية، تمكن في النهاية من ردع طهران ودفعها في اتجاه اختيار التعاون والتعايش مع جيرانها بديلا عن طموحات وأوهام الهيمنة.
يشير مرعي إلى أن من بين هذه المسارات المصرية:
1 - خطورة الهندسة القسرية للأمن الإقليمي وإحداث خلل في توزنات القوة:
يقول مرعي إن القاهرة تدرك التوجه المدعوم أمريكيًا في إطار سياسات ترامب، لإعادة هندسة منظومة الأمن في الشرق الأوسط "بصورة قسرية"، بما يفضي إلى إحداث اختلال جوهري في توازنات القوة لصالح إسرائيل. وتستند هذه المقاربة إلى منح تل أبيب موقعًا مهيمنًا على القرارين السياسي والأمني في الإقليم، مع الدفع بها لتكون الفاعل الرئيسي، بل والوكيل الحصري للمصالح الأمريكية، على حساب أدوار ومصالح القوى الإقليمية الأخرى. وتكمن خطورة هذا التوجه في كونه لا يعيد فقط توزيع مراكز النفوذ، بل يعمل على إعادة صياغة قواعد التفاعل الإقليمي، بما يهمّش الأدوار العربية ويقوّض مفهوم التوازن الذي ظل "رغم هشاشته" ضامنًا نسبيًا للاستقرار. كما أن هذه "الهندسة القسرية" تفتح المجال أمام إسرائيل لتوسيع نطاق حركتها الاستراتيجية دون قيود تُذكر، سواء من خلال فرض وقائع جديدة على الأرض في دول الجوار، أو عبر تبني سياسات توسعية ذات أبعاد جغرافية وأمنية، مستفيدة من غياب مراكز توازن مقابلة. ويرتبط هذا المسار دون أدنى شك ارتباطًا وثيقًا بمحاولات تصفية القضية الفلسطينية.
من بين المسارات المصرية أيضا يقول الباحث محمد مرعي:
2 - شكوك حول فاعلية منظومة الحماية الأمنية الأمريكية لدول الخليج العربي:
تزايدت الشكوك حول الجدوى الاستراتيجية للبنية التحتية العسكرية والقواعد والانتشار اللوجستي الأمريكي في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل الاختبار العملي الذي فرضته مجريات الحرب الجارية. فقد كشفت التطورات الميدانية عن فجوة واضحة بين حجم هذا الانتشار العسكري وبين قدرته الفعلية على توفير مظلة حماية شاملة وفعالة لدول الخليج العربي، حيث بدا أن الجزء الأكبر من القدرات الدفاعية الأمريكية قد تم توجيهه نحو حماية إسرائيل من الضربات الصاروخية الإيرانية، في حين ظلت دول الخليج والأردن والعراق عرضة لتهديدات مباشرة دون مستوى الحماية المتوقع. وفي ضوء هذا التقييم والتقدير، تشكل لدى صانع القرار المصري إدراك مبكر بأن الاعتماد الكامل على هذه المظلة الأمنية لم يعد كافيًا أو مضمون النتائج.
كما أكد مرعي أن الانخراط الخليجي المباشر في العمليات العسكرية الهجومية إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل يحمل مخاطر استراتيجية جسيمة. ومن ثم، تبنّت القاهرة مقاربة حذرة تدعو إلى تحييد دول الخليج قدر الإمكان عن مسار التصعيد، وحصر دورها في إطار دفاعي يهدف إلى حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية دون الانزلاق إلى مربع المواجهة المباشرة.
ويستند هذا التوجه إلى تقدير واقعي لسيناريوهات التصعيد المحتملة، حيث كان من المرجح في حال انخراط دول الخليج في الضربات الهجومية أن تتحول إلى هدف رئيسي ومباشر للرد الإيراني. بما يشمل استهداف البنية التحتية الحيوية، وعلى رأسها منشآت إنتاج وتصدير الطاقة، وحقول النفط والغاز، ومحطات تحلية المياه، فضلًا عن الموانئ والمرافق اللوجستية. وهو ما كان من شأنه أن يُحدث شللًا واسعًا في مفاصل الحياة الاقتصادية والخدمية، ويهدد بشكل مباشر أمن واستقرار أكثر من 50 مليون مواطن ومقيم في هذه الدول، فضلًا عن تداعياته الخطيرة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
يوضح الباحث محمد مرعي أن القاهرة كانت تستشرف مبكرا الرد الإيراني، إذ يشير إلى أن القاهرة استندت إلى تقدير استراتيجي مبكر "ثبتت دقته لاحقًا"، مفاده أن اندلاع مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سيدفع النظام الإيراني إلى التعاطي مع الحرب باعتبارها صراعًا وجوديًا لا يقبل التسوية أو التراجع. فطبيعة بنية النظام السياسي في طهران، وخبرته التاريخية في إدارة الأزمات، تشير إلى أنه لن يقبل تحت أي ظرف سيناريو الاستسلام أو السماح بسقوطه، بل سيسعى إلى رفع كلفة تحقيق هذا الهدف إلى أقصى حد ممكن، من خلال توسيع نطاق الصراع وتدويل تداعياته. وعليه، توقعت مصر أن تلجأ إيران إلى استراتيجية تقوم على نقل الضغوط إلى خارج حدودها، عبر استهداف المصالح الحيوية لدول الإقليم. وتهديد الممرات البحرية الدولية، واستخدام أدوات ضغط غير تقليدية من شأنها إرباك الحسابات العسكرية والسياسية لخصومها. والهدف من ذلك لا يقتصر على الرد العسكري، بل يمتد إلى جعل تكلفة إسقاط النظام الإيراني باهظة على الجميع.
يشير مرعي في ورقته البحثية إلى أن التقدير المصري جاء محكومًا برؤية واقعية لطبيعة الصراع وحدوده، مفادها أن خيار الحسم العسكري ضد إيران لا يحمل فقط مخاطر الفشل، بل ينطوي على كلفة استراتيجية واقتصادية عالمية، وهو ما عزز من توجه القاهرة نحو الدفع بخيارات التهدئة، وتفادي الانزلاق إلى مسارات تصعيد غير قابلة للسيطرة.
يشير مرعي إلى خطورة الاستراتيجية الإسرائيلية:
فمنذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما تبعه من انخراط إسرائيل في حرب واسعة النطاق وذات طابع تدميري على قطاع غزة، برزت ملامح استراتيجية إسرائيلية أكثر اتساعًا وعمقًا، لا تقتصر على إنهاء حلم الدولة الفلسطينية، بل تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل الإقليم بأكمله. وقد تجلّى ذلك في الخطاب المتكرر لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول "تغيير وجه الشرق الأوسط"، وسعي إسرائيل للتحول إلى قوة إقليمية مهيمنة، بل وتجاوز ذلك إلى الطموح لأن تصبح فاعلًا ذا تأثير عالمي.
ويتقاطع هذا الطرح مع توجهات واضحة تستهدف تقويض فكرة الدولة الفلسطينية بشكل نهائي، وفرض نموذج "السلام بالقوة" كقاعدة حاكمة لعلاقات إسرائيل مع محيطها الإقليمي. ولم يقتصر هذا المسار على الخطاب السياسي، بل تُرجم إلى تحركات ميدانية واستراتيجيات عملية، من بينها تبني مفهوم "الحزام الأمني" الممتد في كل من غزة وسوريا ولبنان، وتوسيع نطاق العمليات الأمنية والعسكرية خارج الحدود. وقد دفعت هذه المعطيات مجتمعة مصر إلى التحرك السريع والمدروس لاحتواء هذا المسار، إدراكًا لخطورته بعيدة المدى على بنية النظام الإقليمي، وعلى مفهوم الدولة الوطنية ذاته.
كما أن السياسة الأمريكية الجديدة، في ظل الإدارة الجديدة تتجه نحو إعادة تعريف أولوياتها في الشرق الأوسط بصورة تعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الانخراط الأمريكي في الإقليم. ولم يعد هذا الانخراط قائمًا على إدارة توازنات دقيقة بين الحلفاء، بقدر ما بات يميل إلى إعادة هندسة هذه التوازنات بما يمنح إسرائيل موقعًا مركزيًا متقدمًا، حتى وإن جاء ذلك على حساب شركاء تقليديين للولايات المتحدة في المنطقة. ويعكس هذا التحول انتقالًا واضحًا من نموذج "إدارة التوازنات"، الذي كان يهدف إلى الحفاظ على قدر من الاستقرار عبر توزيع الأدوار والنفوذ، إلى نموذج أكثر حدة يقوم على "فرض الترتيبات".
من هنا أدركت القاهرة أن الاستمرار في التعامل مع هذه التحولات بمنطق فردي أو ردود فعل آنية لن يكون كافيًا لحماية المصالح العربية، وهو ما دفع نحو التأكيد على ضرورة بلورة مقاربات إقليمية أكثر تماسكًا وفاعلية. وتقوم هذه المقاربات على تقليص فجوات الخلاف بين الدول العربية، وتعزيز التنسيق السياسي والأمني فيما بينها، بما يمكنها من امتلاك قدر أكبر من القدرة التفاوضية والتأثير في مسار السياسات الدولية، بدلًا من الاكتفاء بدور المتلقي لتداعياتها. فلم تقف مصر موقف المتفرج، بل بادرت مبكرا قبل اندلاع الحرب إلى اتصالات مكثفة مع مختلف الأطراف الفاعلة المباشرة وغير المباشرة، في محاولة واضحة لخفض التصعيد ومنع الانفجار قبلها بشهور.
فعملت القاهرة على إعادة بناء الثقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ففي الثاني من يونيو 2025، وقبيل اندلاع حرب الأيام الاثني عشر بفترة وجيزة، كانت العلاقة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية تمر بحالة متقدمة من انعدام الثقة، في ظل تصاعد الخلافات حول مستوى التعاون والالتزام بالرقابة الدولية على البرنامج النووي الإيراني. وجاء هذا التوتر في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع جهود دبلوماسية مكثفة قادتها سلطنة عُمان لإحياء مسار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، بما يعكس إدراكًا إقليميًا متزايدًا لخطورة انهيار المسار التفاوضي وانزلاق الأمور نحو التصعيد.
وخلال حرب الـ12 يوما بين إسرائيل المدعومة من أمريكا ضد إيران، وعليه تحركت مصر سياسيا ودبلوماسيا وأمنيا مع مختلف الفاعلين خلال هذه الحرب القصيرة وحذرت من مغبة استمرارها واتساعها وتأثيراتها المحتملة على المنطقة والعالم.
مخاطر عودة الحرب لا تزال قائمة
عقب انتهاء حرب الـ 12 يوما والتي مثلت تحولا جوهريا في ديناميات التنافس والصراع على النفوذ والهيمنة في الشرق الأوسط، أيقنت مصر أن هذه الحرب لن تكون الأخيرة وأنها كانت الجولة الأولى من مسار صراع يحتاج لحسم وتضافر كل الجهود الممكنة لمنع المواجهة مرة أخرى. فكثفت من تحركاتها مع الإيرانيين والأمريكيين وباقي الأطراف الإقليمية والدولية في مسعى جاد وواقعي لمنع الانفجار. وقتها وخلال الشهور القصيرة التي أعقبت حرب ال12 يوما، كانت جسور التواصل والثقة بين طهران وواشنطن وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد انهارت بالفعل، مع تشدد واضح من إدارة ترامب في الشروط التي وضعها لإيران لإنهاء الصراع للتوصل لاتفاق، وبين تشدد إيران أيضا وإعلانها وقف التعامل والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ونشطت الدبلوماسية المصرية، ونجحت مصر في سبتمبر 2025 في استضافة لقاء ثلاثي في القاهرة ضم وزير الخارجية العراقي ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية "رفاييل جروسي"، أسفرت عن التوصل الى اتفاق بين ايران والوكالة لاستئناف التعاون الفنى بينهما، والاتفاق على خطوات عملية للتحقق فى المنشآت النووية الإيرانية وزيادة إجراءات الشفافية، بما يمثل إطارًا عمليًا جديدًا لاستعادة الثقة المتبادلة بين إيران والوكالة، ونقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة في العلاقة بين الطرفين.
يصل مرعي إلى استخلاص مفاده ان مجمل هذه المعطيات والمحددات أن الموقف المصري من الحرب الأمريكية الجارية لا يعكس تحولًا طارئًا أو قفزة على مواقف سابقة، بل يأتي امتدادًا طبيعيًا لنهج ثابت اتسم بالانخراط المبكر قبل اندلاع المواجهة بأشهر في جهود التهدئة والوساطة، والعمل الحثيث على منع تجدد المسار العسكري، والدفع نحو إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بما يحد من احتمالات التصعيد ويُبقي على فرص الحلول السياسية.
مصر ودعم دول الخليج
يكشف التتبع الدقيق لطبيعة الموقف المصري من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أن هذا الموقف تأسس على ثلاث ركائز رئيسية:
1- رفض الحرب.
2 - رفض الاعتداء على الدول العربية.
3 - رفض تحويل الإقليم إلى ساحة لتصفية الحسابات.
ومن هذا المنطلق، تعاملت القاهرة مع الأزمة باعتبارها اختبارًا لمفهوم الدولة الإقليمية المسؤولة، لا مجرد إدارة ظرفية لأزمة عابرة، كما مثلت اختبارًا عمليًا لثوابت السياسة الخارجية المصرية التي تنظر إلى الأمن القومي العربي بوصفه كيانًا متكاملًا غير قابل للتجزئة، حيث يظل أمن الخليج جزءًا لا ينفصل عن الأمن القومي العربي في إطاره الشامل.
وركزت القاهرة على التأكيد على الدعم المصري الكامل للدول العربية التي تعرضت لعدوان إيراني، وشددت القاهرة على موقفها الثابت بضرورة العودة إلى الحوار والمسار الدبلوماسي كخيار وحيد لتسوية الأزمة، محذرة من أن الحلول العسكرية لن تحقق مصالح أي طرف، بل تدفع المنطقة نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار. وعكست الاتصالات الرئاسية التي أجراها وتلقاها الرئيس السيسي خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب اتساع نطاق التحرك المصري على المستويين الإقليمي والدولي. كما أجرى الرئيس السيسي جولات مكوكية إلى دول الخليج لتقديم الدعم والمساندة لهم، كما أجرى وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي العديد من الجولات الخارجية ضمن مساعي التهدئة والوساطة المصرية.
يقول الباحث محمد مرعي إن قراءة مصر للحرب ضد إيران تأتي من نفس المنظور الذي حكم تعاملها مع أزمة غزة على مدى أكثر من عامين ونصف، بأنه لا حل عسكري نهائي، ولا استقرار حقيقي من دون مسار سياسي، ولا أمن إقليمي من دون ترتيبات تحفظ كرامة الدول وسيادتها وتمنع التمدد العسكري غير المنضبط. وهذا المنطق هو الذي يجعل القاهرة ترى نفسها قوة تهدئة لا قوة صدام، وقوة إطفاء لا قوة إشعال، مع تمسك واضح بمواقفها في مختلف الملفات بما يتوافق مع المصالح العليا لمصر والعالم العربي.
وتعكس هذه المواقف مجتمعة، بما في ذلك التعاطي مع التصعيد مع إيران، أن السياسة الخارجية المصرية تتحرك وفق نهج ثابت لا تحكمه تطورات لحظية، بل رؤية استراتيجية راسخة تقوم على صون الدولة الوطنية، ورفض الهيمنة والصراعات المفتوحة، وتغليب الحلول السياسية كمدخل وحيد للاستقرار. ومن ثم، فإن اتساق الموقف المصري عبر ملفات غزة وسوريا ولبنان، إلى جانب موقفها من الحرب، يعبر عن توجه واضح يهدف إلى احتواء الأزمات ومنع تفكك الإقليم، والحفاظ على توازناته في مواجهة موجات التصعيد المتلاحقة.