ماذا تريد إسرائيل من حرب لبنان؟ الأمر يتجاوز الحرب التقليدية
في تحليل نشرته صحيفة «سويد هيرالد»، قدم الخبير في شؤون الشرق الأوسط وأستاذ العلوم السياسية بجامعة لينشوبينج، أندرس بيرسون، قراءة لما يجري في جنوب لبنان، مشيرا إلى أن التحركات العسكرية الإسرائيلية لا تبدو مجرد عمليات ميدانية تقليدية، بل جزء من مسار أوسع لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والأمني على الحدود الشمالية لإسرائيل عبر تفكيك البنية السكانية والعمرانية في القرى الجنوبية.
ما يحدث على الأرض يتجاوز مفهوم الحرب التقليدية
يرى بيرسون أن ما يحدث على الأرض يتجاوز مفهوم الحرب التقليدية، إذ تعتمد إسرائيل على استراتيجية تقوم على “تفريغ البيئة” المحيطة بالحدود، بحيث تصبح القرى غير صالحة للاستخدام العسكري أو حتى المدني، وهو ما يهدف إلى منع حزب الله من إعادة استخدام هذه المناطق كنقاط انطلاق لأي عمليات مستقبلية.
ويضيف أن هذا النهج يعكس تطورا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية يقوم على إنشاء ما يشبه “منطقة دفاع متقدمة”، تبعد التهديدات عن الحدود المباشرة بدلا من مواجهتها داخل الأراضي الإسرائيلية، وهو تصور يعيد إنتاج نماذج سابقة من التجربة الإسرائيلية في جنوب لبنان وغزة.
إعادة تعريف مفهوم السيطرة الأمنية
ويشير التحليل إلى أن إسرائيل تعمل من خلال هذا النهج على إعادة تعريف مفهوم السيطرة الأمنية، عبر تحويل القرى الحدودية إلى مناطق غير قابلة لإعادة التمركز العسكري، وهو ما يفسر حجم التدمير الواسع للبنية التحتية السكنية والخدمية في جنوب لبنان، بما في ذلك المنازل والطرق وشبكات الاتصال.
ويستحضر بيرسون الخلفية التاريخية للصراع، موضحا أن إسرائيل سبق أن احتلت جنوب لبنان لفترة طويلة امتدت من عام 1982 إلى عام 2000، قبل أن تنسحب تحت ضغط عسكري وسياسي، وهو ما اعتُبر حينها تحولا استراتيجيا سمح لاحقا بتعزيز نفوذ حزب الله في المنطقة الحدودية.
ويؤكد أن التجربة السابقة لعبت دورا محوريا في تشكيل الوعي الأمني الإسرائيلي الحالي، حيث تسعى تل أبيب اليوم إلى منع تكرار سيناريو التمركز العسكري المعادي على حدودها الشمالية، حتى لو كان الثمن إعادة رسم المشهد السكاني في الجنوب اللبناني.
دمار واسع في القرى الجنوبية اللبنانية
وفي السياق الميداني، يشير التقرير إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية أدت إلى دمار واسع في القرى الجنوبية، مع موجات نزوح ضخمة طالت مئات الآلاف من السكان، وسط استمرار الغارات الجوية والتوغل البري، ما خلق أزمة إنسانية متفاقمة.
كما يلفت إلى أن بعض المناطق باتت شبه خالية من السكان، نتيجة القصف المستمر وتدمير البنية التحتية، وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول مستقبل هذه القرى وإمكانية عودة الحياة إليها في المدى القريب.
ويضيف التحليل أن إسرائيل تستخدم أيضا أدوات ميدانية ورمزية لتثبيت واقع جديد على الأرض، من بينها ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو خط أمني داخل الأراضي اللبنانية يعكس توجها نحو إعادة ترسيم الحدود الفعلية بشكل تدريجي.
وعلى المستوى السياسي، أوضح بيرسون أن داخل إسرائيل نفسها لا يوجد إجماع واضح حول الهدف النهائي من هذا التوسع الميداني، فهناك تيار يرى أن الأراضي التي يتم السيطرة عليها يمكن استخدامها كورقة تفاوض مستقبلية ضمن أي تسويات إقليمية محتملة، وربما ضمن مسارات تطبيع مع دول عربية.
في المقابل، توجد تيارات سياسية وأمنية أكثر تشددا تدفع باتجاه الإبقاء على وجود طويل الأمد في أجزاء من جنوب لبنان، أو حتى تحويلها إلى مناطق نفوذ مباشر أو ترتيبات أمنية دائمة. ويحذر التحليل من أن هذا التباين في الرؤى قد يعكس غياب استراتيجية نهائية واضحة، ما يجعل المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة، تتراوح بين التهدئة المشروطة أو التصعيد المستمر أو إعادة رسم الحدود بشكل فعلي.
شكل المنطقة الحدودية بأكملها
وختم بيرسون تحليله بالإشارة إلى أن الصراع الحالي لا يدور فقط حول وقف إطلاق النار أو إدارة مواجهة عسكرية، بل حول شكل المنطقة الحدودية بأكملها، ومن يملك القدرة على تحديد مستقبلها الأمني والديموغرافي، في ظل استمرار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في سياق إقليمي شديد التعقيد.