ما وراء الهدنة الأمريكية - الإيرانية.. هل نجحت الصين في فرض صمت البنادق؟
قبل بضعة أيام فقط، بدت منطقة الخليج على حافة الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين طهران وواشنطن، وسط تصاعد في الخطاب السياسي وتبادل للرسائل النارية عبر أكثر من ساحة إقليمية.
وفي خضم هذا المشهد المشتعل، برز اسم الصين بوصفها فاعلًا غير تقليدي يراقب من الخلف، ويحرك الخيوط بهدوء ومثابرة بعيدًا عن ضجيج المواجهة، أما السؤال الذي طرحته مجلة دير شبيجل الألمانية، فقد حمل دلالة أعمق رغم بساطته: هل نجحت بكين في لعب دور الوسيط الخفي الذي ساهم في تهدئة التوتر بين واشنطن وطهران؟ وهل نسجت خيوط هدنة تسهم في نزع فتيل التصعيد المحتدم؟.
وأجابت المجلة بأن الصين لم تكن يومًا طرفًا مباشرًا في صراعات الشرق الأوسط العسكرية، لكنها، وعلى مدار العقدين الماضيين، أعادت تشكيل حضورها في المنطقة بطريقة مختلفة جذريًا.
فبدلًا من الاعتماد على القوة العسكرية أو التحالفات الأمنية التقليدية، ركزت بكين على بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية، تمتد من الطاقة إلى البنية التحتية، ومن الموانئ الاستراتيجية إلى طرق التجارة الدولية، وقد جعل هذا التوسع استقرار المنطقة ضرورة وجودية للمصالح الصينية، لا مجرد خيار سياسي، خاصة في منطقة حساسة مثل الخليج، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية.
منهجية دبلوماسية مغايرة
هذا الواقع دفع بكين إلى تبني منهجية دبلوماسية مغايرة، تقوم على ما يمكن وصفه بـ"الوساطة الهادئة" أو "الدبلوماسية غير المعلنة"، فالصين لا تظهر عادة كوسيط مباشر في النزاعات السياسية الكبرى، لكنها تعمل عبر قنوات خلفية وشبكات علاقات ممتدة مع أطراف متعددة، وعلى رأسها إيران، إلى جانب علاقاتها المتنامية مع قوى إقليمية أخرى.
وأتاحت هذه الشبكة لها فتح مسارات اتصال غير رسمية، ساهمت في تخفيف حدة التوتر، والحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة في لحظات كانت فيها المنطقة أقرب إلى التصعيد.
وأكدت دير شبيجل أن الاقتصاد لا يلعب دور الخلفية فحسب، بل يتحول إلى أداة تأثير رئيسية، فمبادرة "الحزام والطريق" تمثل مشروعًا عالميًا ضخمًا يعتمد، في جوهره، على استقرار الممرات البحرية والبرية، خصوصًا في الشرق الأوسط. وأي اضطراب واسع في المنطقة يعني تهديدًا مباشرًا لتدفق الاستثمارات وسلاسل الإمداد.
الحفاظ على أمن الطاقة في الصين
كما أن اعتماد الصين المتزايد على النفط والغاز من الخليج، بما في ذلك الإمدادات المرتبطة بإيران، جعلها أكثر حرصًا على منع أي تصعيد قد يهدد أمن الطاقة لديها، وبهذا المعنى، تحولت المصالح الاقتصادية إلى دافع استراتيجي لصناعة الاستقرار عبر أدوات غير تقليدية.
وإلى جانب التحرك الصيني، لعبت باكستان ومصر دورًا مكمّلًا في هذا المشهد المعقد، فإسلام آباد، التي تجمعها علاقات تاريخية مع طهران من جهة، وشراكة استراتيجية قوية مع بكين من جهة أخرى، وجدت نفسها في موقع يتيح لها التحرك كحلقة وصل غير رسمية.
ولم يكن هذا الدور معلنًا بالكامل، لكنه ساعد — بالتعاون الوثيق مع الخارجية المصرية وعلى مدار الساعة — في تسهيل التواصل غير المباشر بين الأطراف المتباعدة، وخلق مساحة سياسية أكثر مرونة في لحظة كانت فيها الثقة شبه منعدمة، أما الصين، فقد وفرت الغطاء الاقتصادي والدبلوماسي الذي منح هذه التحركات قدرة على الاستمرار والتأثير.
وعند مقارنة النهج الصيني بنظيره الأمريكي، يظهر اختلاف جوهري في فلسفة إدارة الصراع. فالولايات المتحدة تعتمد على أدوات الضغط المباشر، مثل العقوبات الاقتصادية المكثفة، والوجود العسكري، وبناء التحالفات الأمنية لاحتواء النفوذ الإيراني.
بناء النفوذ الصيني
في المقابل، تتحرك الصين وفق منطق مختلف، يقوم على بناء النفوذ عبر الاقتصاد والاستثمار، وخلق اعتماد متبادل يجعل الاستقرار خيارًا عقلانيًا لجميع الأطراف. وهذا التباين لا يعكس اختلافًا في الأدوات فحسب، بل يعبر عن اختلاف أعمق في رؤية طبيعة النظام الدولي.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التحديات الكبيرة التي تواجه الدور الصيني. فصراعات الشرق الأوسط ليست مجرد خلافات اقتصادية يمكن احتواؤها بالاستثمار، بل هي ملفات متشابكة تشمل البرنامج النووي الإيراني، والتنافس الإقليمي، وتوازنات الأمن في الخليج، وصراعات النفوذ بين القوى الكبرى.
كما أن غياب الشفافية الكاملة بشأن طبيعة التحركات الصينية يثير تساؤلات مستمرة حول مدى عمق هذا الدور، وقدرته على تحويل التهدئة المؤقتة إلى استقرار طويل الأمد.
وفي المحصلة، لا يمكن الجزم بأن الصين هي التي نسجت هدنة مباشرة بين واشنطن وطهران، لكنها، بلا شك، ساهمت في خلق مناخ أقل توترًا عبر أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية غير التقليدية.
وبينما تسعى بكين إلى ترسيخ مكانتها كقوة عالمية قادرة على إدارة الأزمات لا مجرد الاستفادة منها، يبقى السؤال مفتوحًا هل يستطيع النفوذ الاقتصادي وحده أن يصنع سلامًا دائمًا في منطقة طالما حكمتها معادلات القوة أكثر من منطق المصالح؟.