< إبستين في باريس.. كواليس النخبة المترفة وثقافة الإفلات من العقاب
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

إبستين في باريس.. كواليس النخبة المترفة وثقافة الإفلات من العقاب

الرئيس نيوز

على الرغم من أن قضية جيفري إبستين غالبًا ما تُعامل كخبر عابر أو فضيحة عابرة، فإن تحليلها من منظور اجتماعي يكشف أبعادًا أعمق، وفقًا لصحيفة لوموند دبلوماتيك الفرنسية. 

فمئات آلاف الوثائق القضائية التي نشرتها المحاكم لا تكشف فقط عن قضية جنائية استثنائية، بل تُضيء أيضًا على طبيعة شريحة محددة من النخبة التي تعيش في أحياء راقية مثل الدائرة السادسة عشرة في باريس، وتتصرف وكأنها فوق القانون.

من نشأة متواضعة إلى شبكة علاقات واسعة

وُلد إبستين عام 1953 في بروكلين، نيويورك، لعائلة يهودية من الطبقة العاملة؛ كان والده بستانيًا وأمه مربية، وبدا منذ البداية أن الظروف الاجتماعية لا تمنحه مكانًا بين النخبة، لكنه أظهر قدرة استثنائية على توظيف علاقاته لتوسيع نفوذه المالي والاجتماعي.

كانت علاقته بتاجر الأسلحة البريطاني دوجلاس ليس محورًا أساسيًا في صعوده؛ إذ قدمه إلى الأوساط البريطانية العليا، وربطه بابنه نيك، الذي فتح له أبواب عالم المال والفن في وول ستريت. 

وفي الوقت نفسه، حاز إبستين ثقة الملياردير ليزلي ويكسنر، الذي كلفه بإدارة جزء من ثروته، ما مكنه من جمع ثروة طائلة خلال سنوات قليلة.

وفي عام 1987، انضم إبستين، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، إلى مجلس أمناء أكاديمية نيويورك للفنون، ما وسّع شبكة علاقاته في عالم الفن والمال، وعزز مكانته بين أصحاب النفوذ، وبفضل هذه الشبكة، امتلك طائرة بوينغ 727 وجزيرة ليتل سانت جيمس، التي تتمتع بوضع ضريبي متميز، ليصبح رمزًا للنخبوية العابرة للقوانين.

الإفلات من العقاب كأسلوب حياة

يعود نجاح إبستين جزئيًا إلى قدرته على الجمع بين عناصر السلطة التقليدية والمهارة في تكوين التحالفات المؤثرة، فقد جمع ثروته عبر شبكات النفوذ، وعاش حياة متنقلة بين عدة دول، مستفيدًا من علاقاته الواسعة، لكن الجانب المظلم لهذه القوة تمثل في استغلاله للنساء والفتيات، بما في ذلك استخدام العنف الجنسي، مع شعور مطلق بالإفلات من العقاب.

وتكشف الوثائق المنشورة أن النخبة التي ينتمي إليها إبستين ترى نفسها فوق القانون، وتتعامل مع موارد العالم وكأنها ملكها الخاص، بينما يبقى عامة الناس مجرد مشاهدين غير مؤثرين. 

فالطائرات الخاصة، على سبيل المثال، تمثل أحد أبرز رموز هذا التميز الطبقي، إذ تتسبب في تلوث بيئي أعلى من أي وسيلة نقل جماعية، وتمنح أصحابها حرية التنقل دون مواجهة المجتمع أو قواعده.

النخبة والفضائح الاجتماعية

ما يثير الاهتمام في قضية إبستين ليس فقط الجرائم المرتكبة، بل طبيعة الحماية الاجتماعية والقانونية التي تحيط بالنخبة، فالإفراط في الترف واستغلال العلاقات، وعدم المساواة في تطبيق القانون، كلها سمات تؤكد أن بعض الطبقات العليا تتصرف وكأنها غير قابلة للمساءلة. 

وتكشف الوثائق أن هذا النمط من السلوك ليس استثناءً فرديًا، بل يعكس ثقافة نخبوية متجذرة تتجاهل القواعد التقليدية للمجتمع.

كما توضح الحالة الفرنسية، مع ارتباط إبستين بأحياء راقية في باريس، أن هذه الظواهر ليست محصورة في الولايات المتحدة، بل تمتد عبر حدود القارات، فالشبكات المالية والاجتماعية توفر للأثرياء وسائل لحماية أنفسهم من القانون، بينما يبقى الجمهور العادي عرضة لمخاطر النظام نفسه.

رمز النفوذ والانعزال

يكشف استخدام إبستين للطائرات الخاصة عن بُعد آخر لهذه النخبوية: الانعزال عن الناس العاديين. فهذه الوسائل الفاخرة لا توفر مجرد الراحة، بل تُستخدم أداةً اجتماعية تؤكد التفرد وتعزز الشعور بالقوة المطلقة، وبينما يعيش العالم أزمات بيئية واقتصادية، تستطيع النخبة التحرك بحرية بين الدول، مستفيدة من قدراتها الاقتصادية والاجتماعية، دون مواجهة مسؤولية أو مساءلة.

قضية إبستين كنموذج اجتماعي

يمكن القول إن قضية جيفري إبستين تتجاوز إطارها الجنائي لتصبح مرآة تكشف طبيعة النخبة العالمية، وعلاقاتها الملتوية، وإفلاتها من العقاب، ما يطرح أسئلة جوهرية حول العدالة والمساواة الاجتماعية، وحدود النفوذ الفردي في مواجهة القوانين والمواثيق الدولية.

ولا يتعلق الأمر بشخص واحد أو بفضيحة محددة، بل بكيفية تشكل السلطة الاقتصادية والاجتماعية في العالم، وكيف يمكن للنخبة أن تمارس الإفراط والترف والانفصال عن الواقع بطريقة تبدو وكأنها فوق القانون. وتمثل هذه القضية تحذيرًا اجتماعيًا وسياسيًا يستدعي إعادة النظر في العلاقة بين المال والنفوذ والقانون في المجتمعات المعاصرة.