هجمات إيران تجبر القوات الأمريكية على العمل عن بعد وتغيير مواقعها العسكرية
منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تكبدت القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط أضرارا جسيمة نتيجة الضربات الإيرانية، ما أجبر العديد من الجنود الأمريكيين على الانتقال للعمل من فنادق ومكاتب مؤقتة في مختلف أنحاء المنطقة، وفقًا لتصريحات مسؤولين عسكريين أمريكيين نقلتها نيويورك تايمز.
وبذلك أصبح الجزء الأكبر من القوات البرية الأمريكية، من الناحية العملية، يخوض الحرب أثناء العمل عن بعد، باستثناء الطيارين وفرق الطائرات الحربية الذين يواصلون إدارة الطائرات وتنفيذ الضربات الجوية. وفي الوقت نفسه، حث الحرس الثوري الإيراني المواطنين على الإبلاغ عن مواقع القوات الأمريكية المتفرقة، في محاولة لتعقبها، وهو ما لم يوقف البنتاجون من متابعة العمليات العسكرية ضد إيران، والتي دخلت أسبوعها الرابع.
وصرح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجستث بأن الولايات المتحدة نفذت أكثر من 7،000 ضربة عبر البنية التحتية العسكرية الإيرانية، مضيفا أن كل يوم يحمل حزمة ضربات أكبر من اليوم السابق. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى مواقع بديلة ومؤقتة أثار تساؤلات حول مدى استعداد إدارة ترامب لمواجهة الحرب.
وعند بداية الحرب، كان عدد القوات الأمريكية في المنطقة يقارب 40،000 جندي، وقد تم توزيع آلاف منهم إلى مواقع بعيدة تصل أحيانًا إلى أوروبا، بينما بقي عدد آخر في الشرق الأوسط لكن بعيدًا عن قواعدهم الأصلية. ونتيجة لذلك، أصبح تنفيذ العمليات الحربية أكثر صعوبة، وفقا لمسؤولين حاليين وسابقين.
وقال الرقيب المتقاعد ويس جي. براينت، المتخصص في العمليات الخاصة للقوات الجوية الأمريكية: “نعم، لدينا القدرة على إقامة مراكز عمليات سريعة، لكنك بالتأكيد ستفقد جزءًا من القدرات. لا يمكنك نقل جميع المعدات إلى سطح فندق، فبعضها غير عملي.” وأكد مسؤول عسكري أمريكي أن الجنود لا يعملون على أسطح الفنادق المدنية، بل في مواقع معدة جزئيا لاستيعابهم.
وقد استهدفت إيران، ردا على الضربات المشتركة الأمريكية والإسرائيلية، القواعد العسكرية الأمريكية والسفارات والبنية التحتية النفطية والغازية في مختلف دول المنطقة. ومع سقوط قادة إيرانيين بارزين، أطلقت إيران مئات الطائرات المسيرة والصواريخ على الدول المجاورة، وأغلقت إلى حد كبير مضيق هرمز الحيوي، لضمان أن يشعر العالم بأثر الحرب.
وتعرضت 13 قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة لأضرار كبيرة، كان أكبرها في الكويت القريبة من إيران، حيث لقي ستة جنود أمريكيين مصرعهم في هجوم على مركز العمليات التكتيكية في ميناء الشعيبة. كما استهدفت الطائرات الإيرانية وقواعد علي السالم الجوية ومخيم بويرينغ، مسببة أضرارًا في المنشآت والصيانة والإمدادات.
وفي قطر، ضربت إيران قاعدة العديد الجوية، مقر القيادة الجوية الأمريكية الإقليمي، مسببة أضرارا في نظام الرادار المبكر، وفي البحرين أصابت طائرة مسيرة إيرانية معدات الاتصالات بمقر الأسطول الخامس الأمريكي، بينما تعرضت قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية لأضرار في معدات الاتصال وخزانات الوقود نتيجة صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية.
كما شنت ميليشيات مدعومة من إيران في العراق هجومًا بطائرات مسيرة على فندق فاخر في أربيل، مع بداية الحرب، متهمة القوات الأمريكية باستخدام المدنيين كدروع بشرية بسبب تمركز الجنود في الفنادق. ورغم حملة الضربات الجوية المكثفة، ما زالت إيران تحتفظ ببعض القدرات، حسبما اعترف الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، مؤكدًا أن الدفاعات متعددة الطبقات حول المنطقة ساعدت الولايات المتحدة على حماية قواتها ومصالحها، بينما يعمل البنتاغون على تعزيزها.
ويشير الخبراء إلى أن نقص التخطيط الكافي يعكس تقديرًا خاطئًا من الإدارة الأمريكية حول رد فعل إيران، إذ لم تقلل إدارة ترامب من عدد الموظفين في السفارات الأمريكية أو تصدر أوامر بإجلاء العاملين غير الضروريين وأفراد العائلات قبل بدء الحرب، ولم تُصدر تحذيرات للمواطنين الأمريكيين حتى بعد اندلاع النزاع.
ووفقا لنيويورك تايمز، أكد الرقيب براينت أن القوات الأمريكية متفوقة في ما يسميه “التنفيذ اللامركزي”، أي القدرة على الاستمرار في العمليات حتى من مواقع بعيدة، قائلًا: “يمكنك قطع رأس الأفعى وحتى القضاء على آخر جندي، وسنظل نعمل”، لكنه أضاف: “مع ذلك، ستفقد شيئًا من الفاعلية.”

وتعكس هذه التطورات حجم التحديات الاستراتيجية واللوجستية التي تواجه القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وتسلط الضوء على صعوبة إدارة حرب واسعة النطاق في منطقة ذات تهديدات صاروخية متقدمة وأهداف متفرقة، مع تأثير مباشر على الاستقرار الإقليمي والأسواق العالمية.
إيران تحذر من رد متعدد الجبهات وسط تصعيد أمريكي في الخليج
وشهدت المنطقة تصعيدا كبيرا في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، مع تحذيرات إيرانية شديدة اللهجة وردود فعل أمريكية متصاعدة، ما يزيد المخاوف من مواجهة عسكرية واسعة النطاق في الخليج.
ووفقا لصحيفة كويت تايمز، أطلق رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، تحذيرا شديد اللهجة، مشيرا إلى أن أي محاولة لاحتلال إحدى الجزر الاستراتيجية الإيرانية ستقابل برد مدروس وقاس، يستهدف البنية التحتية الحيوية لأي دولة إقليمية تشارك في هذا التوغل.
وأكد قاليباف في سلسلة من التصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن القوات الإيرانية تتابع عن كثب جميع التحركات المعادية، وأن أي خطوة ستواجه بضربات مستمرة على المواقع الحيوية.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تصعيد عسكري أمريكي ملحوظ، حيث أرسل الجيش الأمريكي آلاف الجنود، بمن فيهم عناصر من فرقة المظلات 82، بالإضافة إلى وحدات بحرية متقدمة على متن سفن هجومية برمائية، في تحركات تفسر على نطاق واسع بأنها رسائل تصعيدية أكثر من كونها إجراءات تهدئة.
من جانبه، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن إيران أمام خيارين فقط: الاعتراف بالهزيمة العسكرية أو مواجهة عواقب غير مسبوقة، مشددة على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “لا يخدع”، وأنه مستعد لإطلاق “العقاب الكامل”.
وتركزت المخاوف الإيرانية على جزيرة خرج، الواقعة قرب الساحل الإيراني، والتي تعتبر موقعا استراتيجيا حساسا. وتردد أن التحذيرات الإيرانية قد تكون موجهة بشكل ضمني إلى بعض دول الخليج، وسط تكهنات عن تعاون محتمل مع واشنطن. وأكدت المصادر الإيرانية أن أي هجوم على الجزيرة سيقابل بضربة مضادة مدمرة قد تهدد الأصول الإقليمية والقوات الأمريكية على حد سواء.
وتزداد التعقيدات مع احتمالية فتح جبهات عسكرية جديدة خارج الخليج، حيث تشير تقارير إلى أن طهران قد تستخدم نفوذها الاستراتيجي لتهديد مضيق باب المندب، أحد الممرات البحرية الحيوية التي تربط البحر الأحمر بالطرق التجارية العالمية. كما يبدو أن ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران في اليمن جاهزة للتدخل، وربما تستهدف الملاحة البحرية لزيادة الضغط على خصوم إيران.
ورغم تصاعد التهديدات والخطاب العدائي، تشير التقارير إلى استمرار جهود دبلوماسية هادئة خلف الكواليس، مع وسطاء يقومون بنقل الرسائل بين واشنطن وطهران، مع وجود مقترحات متنافسة على الطاولة، إلا أن تجمع القوات العسكرية وتشدد الخطاب يجعل المنطقة تقترب من فصل حاسم وربما انفجاري في الأزمة.
وفي سياق متصل، شهدت أسواق النفط تقلبات كبيرة، حيث انخفض خام الكويت بمقدار 22.27 دولارا، ليغلق عند 124.15 دولارا للبرميل، مع ترقب المستثمرين لأي تطورات جديدة قد تؤثر على الإمدادات والطاقة عالميا.