< مضيق هرمز والجبال والأنفاق النووية.. لماذا يخشى البنتاجون حربًا طويلة مع إيران؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مضيق هرمز والجبال والأنفاق النووية.. لماذا يخشى البنتاجون حربًا طويلة مع إيران؟

الرئيس نيوز

قبل أن تبدأ الضربات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط، كان المخططون العسكريون في واشنطن يدركون أن المواجهة مع إيران تختلف جذريًا عن أي حرب تقليدية خاضتها الولايات المتحدة في العقود الأخيرة. فهذه الدولة لم تتعرض لغزو ناجح منذ عام 1941 خلال الغزو الأنجلو‑سوفيتي لإيران عندما اجتاحت القوات البريطانية والسوفيتية البلاد لإسقاط حكم رضا شاه بهلوي في سياق الحرب العالمية الثانية.

ومع تصاعد المواجهة التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عاد الحديث في الأوساط العسكرية عن احتمال اللجوء إلى خيار التدخل البري داخل إيران، وهو سيناريو يصفه خبراء بأنه قد يكون أكثر تعقيدًا من الحروب التي خاضتها واشنطن في أفغانستان والعراق وربما حتى خلال حرب فيتنام، وفق ما نقلته صحيفة ديلي ميل البريطانية.

خيار القوات البرية يلوح في الأفق

مع اتساع نطاق المواجهة العسكرية، دفعت الولايات المتحدة بالفعل بآلاف الجنود إلى الشرق الأوسط، من بينهم نحو خمسة آلاف من قوات مشاة البحرية جرى نقلهم من قواعد عسكرية في اليابان.

ورغم تأكيد البيت الأبيض أن العمليات البرية ليست جزءًا من الخطة الحالية، فإن تصريحات ترامب المتكررة بأن الحرب ستنتهي عندما يقرر ذلك تعكس أن الخيارات العسكرية لا تزال مفتوحة، خصوصًا في حال سعت واشنطن إلى السيطرة على منشآت نووية حساسة أو منع نقل مواد نووية داخل إيران.

لكن القرار العسكري لا يرتبط فقط بالحسابات السياسية، إذ يواجه أي تدخل بري عقبات جغرافية وعسكرية معقدة تجعل من إيران واحدة من أصعب ساحات القتال في العالم.

دولة شاسعة يصعب غزوها

تشير التقديرات إلى أن مساحة إيران تتجاوز 630 ألف ميل مربع، ما يجعلها أكبر من مجموع دول أوروبية عدة مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا مجتمعة. كما يتجاوز عدد سكانها 93 مليون نسمة، ما يمنحها قاعدة بشرية ضخمة مقارنة بمعظم دول المنطقة.

وعند المقارنة بالحروب السابقة للولايات المتحدة، يتضح حجم التحدي؛ إذ تزيد مساحة إيران بنحو أربع مرات على مساحة العراق، وتقترب من ثلاثة أضعاف مساحة أفغانستان، وهو ما يجعل السيطرة العسكرية الكاملة على أراضيها مهمة شديدة التعقيد.

الجبال.. حصون طبيعية

تتميز إيران بتضاريس جبلية واسعة تشكل ما يشبه القلاع الطبيعية. فالعاصمة طهران تقع على ارتفاع يقارب 3900 قدم فوق سطح البحر، وتحيط بها سلاسل جبلية كبيرة.

أبرز هذه السلاسل هي جبال زاجروس التي تمتد قرابة 990 ميلًا من شمال غرب البلاد حتى مضيق هرمز جنوبًا، وتضم قممًا مرتفعة مثل جبل دينا الذي يصل ارتفاعه إلى نحو 14465 قدمًا.

أما شمال البلاد فتسيطر عليه جبال البرز التي تضم أعلى قمة في إيران وهي جبل دماوند بارتفاع يزيد على 18400 قدم، بينما تمتد جبال مكران على سواحل بحر عمان جنوب شرق البلاد.

وتشير تقارير عدة إلى أن أجزاءً من البنية العسكرية الإيرانية، بما في ذلك منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي ومخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة، تقع داخل أنفاق ومنشآت تحت الأرض في هذه المناطق الجبلية.

حرب الجبال: المعركة الأصعب

يعد القتال في المناطق الجبلية من أكثر العمليات العسكرية تعقيدًا في العالم. فالطرق الضيقة والانحدارات الحادة والطقس المتقلب تجعل حركة الآليات الثقيلة مثل الدبابات محدودة للغاية.

لهذا السبب تعتمد العقيدة العسكرية في حلف شمال الأطلسي على تقسيم القوات إلى وحدات صغيرة مرنة عند القتال في التضاريس الجبلية. غير أن هذا التكتيك يجعل تلك الوحدات أكثر عرضة لهجمات القوات المدافعة التي تمتلك معرفة دقيقة بالتضاريس المحلية.

وفي الحالة الإيرانية، يشكل الحرس الثوري الإيراني عنصرًا إضافيًا في معادلة التعقيد، إذ يمتلك قوات كبيرة مدربة على حرب العصابات وقادرة على الانتشار في الجبال والقرى لفترات طويلة، ما يعني أن أي قوة مهاجمة قد تواجه حرب استنزاف طويلة حتى لو تمكنت من هزيمة الجيش النظامي.

المستنقعات والسبخات.. تحديات إضافية

لا تقتصر الصعوبات الجغرافية على الجبال فقط. ففي جنوب غرب إيران، خصوصًا في إقليم خوزستان المطل على الخليج، تنتشر مساحات واسعة من الأراضي الرطبة مثل أهوار شادكان، وهي مناطق قد تتحول إلى عائق كبير أمام حركة الدبابات والمركبات الثقيلة.

أما في وسط البلاد فتوجد صحارى وسبخات ملحية شاسعة مثل دشت كوير ودشت لوت، حيث يمكن أن تتجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية نهارًا، بينما تنخفض بشكل حاد ليلًا، إضافة إلى الغبار الملحي الذي يسرّع تآكل المعدات العسكرية والإلكترونيات.

المضائق البحرية… ورقة ضغط استراتيجية

إلى جانب التضاريس البرية، تمتلك إيران ميزة جغرافية حاسمة في البحر، إذ تسيطر على الضفة الشمالية لـمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا في الظروف الطبيعية.

وفي أوقات التوتر يمكن لهذا الممر الضيق أن يتحول إلى نقطة اختناق استراتيجية، حيث تستطيع طهران تهديد ناقلات النفط والسفن التجارية باستخدام الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو الزوارق السريعة أو الألغام البحرية.

عمليات محدودة بدل الغزو الشامل

رغم كل هذه التحديات، يرى بعض الخبراء أن الولايات المتحدة قد لا تسعى إلى غزو شامل لإيران، بل إلى عمليات محدودة تستهدف منشآت محددة ضمن البرنامج النووي.

ومن أبرز هذه المواقع منشأة منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم ومنشأة منشأة فوردو النووية إضافة إلى مركز مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية.

ويقوم هذا السيناريو على تنفيذ ضربات دقيقة باستخدام وحدات خاصة مدعومة بقوات تدخل سريع، مع تقليل مدة بقاء القوات داخل الأراضي الإيرانية. ومع ذلك، يظل هذا الخيار محفوفًا بالمخاطر بسبب الحماية المشددة لهذه المنشآت وطبيعة البيئة الجغرافية المحيطة بها.

صراع قد يتحول إلى حرب استنزاف

يرى عدد من المحللين أن الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية تقوم أساسًا على مبدأ الاستنزاف الطويل. فحتى إذا تعرضت منشآت عسكرية أو قواعد استراتيجية لضربات مكثفة، تظل لدى طهران القدرة على مواصلة القتال لفترات طويلة عبر القوات غير النظامية وشبكات الدفاع المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد.

ولهذا يحذر خبراء عسكريون من أن أي تدخل بري واسع قد يتحول سريعًا إلى صراع طويل ومكلف، وربما أكثر تعقيدًا من الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان خلال العقدين الماضيين.