الحرب تختبر قدرة الاقتصاد المصري على الصمود بعد تدفقات رأس المال الخارجة من السندات| عاجل
باتت الأصول المصرية من بين الأشد تضررا في منطقة الشرق الأوسط جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في اختبار عسير لمسيرة إصلاح اقتصادي مضنية تقودها مصر بدعم صندوق النقد الدولي، وكانت تأمل أن تكون الدرع الواقية من الصدمات الخارجية.
رغم بعد مصر الجغرافي عن الصواريخ التي تضرب منطقة الخليج، خرجت مليارات الدولارات من محافظ الاستثمار في أذون الخزانة والسندات المصرية، وتراجعت قيمة الجنيه إلى مستويات قياسية متدنية، فيما تواصل أسعار الطاقة المرتفعة ضغطها على الموازنة العامة وتهدد بمزيد من الأعباء على مدار سنوات من التضخم المرتفع.
وقد لخص المحللون بجولدمان ساكس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المشهد بدقة قائلا إن "الحرب تضع التزام مصر بالسياسة الاقتصادية الرشيدة أمام الاختبار الحقيقي"، واصفا مصر بأنها "مكشوفة لكنها أكثر صمودا" مما كانت عليه في الأزمات السابقة، وفقا لصحيفة جلف تايمز.
مخاوف متجددة
ليست هذه المرة الأولى التي تجد فيها مصر نفسها في مرمى التداعيات الإقليمية؛ فمصر المعتمدة على استيراد الغذاء والطاقة والشحيحة في مواردها الطبيعية والمثقلة بمنظومة دعم اجتماعي واسعة، طالما كانت عرضة للاضطرابات الخارجية.
فقد كشف الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 عن هشاشة الاعتماد المصري على الأموال الساخنة وأشعل أزمة عملة حادة، قبل أن تتعمق الجراح مع اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 التي كان لها تأثير مباشر على إيرادات قناة السويس ولم تتعاف حتى اليوم.
وقد جاء الإنقاذ في شكل حزمة إنقاذ عالمية بقيمة 57 مليار دولار بقيادة الإمارات وصندوق النقد الدولي الذي ضاعف برنامج قرضه لمصر ليبلغ 8 مليارات دولار في مطلع 2024، مشترطا مرونة سعر الصرف وخفض الدعم ركيزتين أساسيتين لتمكين مصر من تحمل الصدمات الخارجية. أما اليوم، وقد راكمت مصر احتياطيات أجنبية صافية قياسية بلغت 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي — أي بزيادة 30% عما كانت عليه حين اندلعت حرب أوكرانيا — وارتفعت صافي الأصول الأجنبية للبنوك التجارية إلى 14.5 مليار دولار في يناير وهو أعلى مستوى منذ 2012، فالسؤال الذي يطرحه المحللون بإلحاح هو: هل كان كل هذا التحضير كافيا؟
الجنيه يؤدي دوره كممتص للصدمات
في واحدة من اللحظات النادرة التي يعمل فيها الاقتصاد كما خطط له نظريا، يبدو أن سياسة سعر الصرف المرن التي اشترطها صندوق النقد الدولي تؤتي ثمارها في هذه الأزمة تحديدا.
فقد تراجع الجنيه بنحو 8% منذ بداية الحرب ليكون الأسوأ أداء على المستوى العالمي، لكن هذا التراجع يعكس في جوهره قوى العرض والطلب لا تدخلا مصطنعا كما كان يحدث في أزمات سابقة حين أضاع البنك المركزي احتياطياته في سبيل الدفاع عن سعر صرف مثبت.
ويميل فريق من المحللين لوصف هذا التحول بأن سعر الصرف المرن بات "ممتصا للصدمات يحمي الاحتياطيات الأجنبية القائمة ويضمن توافر السيولة بالعملة الصعبة ويوفر نقاط دخول جديدة للمستثمرين المستقبليين."
وفي السياق ذاته، سارعت السلطات إلى طمأنة الأسواق خلال الأسبوع الماضي، مؤكدة توافر السلع الأساسية وواعدةً برفع الأجور، فضلا عن اتخاذ "تدابير استثنائية" شملت تقليص الإنفاق غير الضروري ورفع أسعار الوقود للمرة الأولى منذ أشهر بنسبة تصل إلى 17% في أكبر زيادة منذ سنوات، وهو ما رأى فيه محللو غولدمان ساكس دليلا على "الالتزام بالسياسة الاقتصادية الرشيدة."
تكشف الأرقام المتاحة عن حجم الضغط الفعلي على السوق المصرية؛ إذ كانت الاستثمارات الأجنبية في أذون الخزانة والسندات المصرية تبلغ نحو 32 مليار دولار قبيل اندلاع الأزمة وفق تقديرات سيتي بنك، وهو ما يعكس مدى جاذبية الديون المصرية للمستثمرين الأجانب في السنوات الأخيرة بفضل معدلات الفائدة الحقيقية المرتفعة عالميا.
وأشارت البيانات إلى أن نحو 7 مليارات دولار خرجت من مصر بحلول إغلاق يوم الاثنين منذ منتصف فبراير، وهو رقم يبقى "أقل بكثير" من الـ20 مليار دولار التي خرجت إبان حرب أوكرانيا.
غير أن مليارا ونصف المليار عادت في اليوم التالي إثر تصريحات الرئيس ترامب التي أوحت بإمكانية انتهاء الصراع سريعا — مما يكشف عن مدى حساسية السوق المصرية للتصريحات السياسية الأمريكية. وفي السياق ذاته قالت رازان ناصر المحللة في شركة T. Rowe Price التي تدير نحو 1.8 تريليون دولار من الأصول العالمية: "في ظل الثقل الكبير للمراكز الاستثمارية، من الطبيعي مشاهدة تدفقات خروج في هذا الوقت المضطرب حين يسعى المستثمرون إلى تخفيف المخاطر، لكن مصر تواجه هذه الصدمة من موقع أفضل بكثير مقارنة بالأزمات الإقليمية والعالمية السابقة."
فاتورة الطاقة المتصاعدة
لا تقتصر الضغوط على تدفقات رأس المال؛ إذ زادت الأمور تعقيدا قرارُ إسرائيل خفضَ صادراتها من الغاز إلى مصر بذريعة الاعتبارات الأمنية فور شنّها هجومها على إيران في 28 فبراير، مما اضطر القاهرة إلى شراء شحنتين من الغاز الطبيعي المسال هذا الأسبوع لتعويض النقص.
وعلى صعيد الموازنة العامة، يرى أبو بشة أن ارتفاع أسعار النفط والغاز العالمية سيزيد الضغط على الموازنة ومسار التضخم والحساب الجاري، مضيفا أن "الحجم سيعتمد على تقلبات أسواق الطاقة ومدة الصراع مما يجعل قياس الأثر بدقة أمرا عسيرا."
في هذا السياق كشف وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن السلطات على تواصل مع مؤسسات دولية سبق أن تعهدت بدعم الموازنة في محاولة لتسريع صرف القروض، في حين أشار مصدر مطلع إلى أن مصر لم تطلب تمويلا إضافيا من الصندوق ولم تقترح برنامجا جديدا بعد انتهاء البرنامج الحالي البالغ مدته 46 شهرا.
وترى مجموعة جولدمان ساكس أن التمويل الإضافي من الصندوق غير ضروري، إذ "ينبغي أن يكون الأثر على ميزان المدفوعات قابلا للإدارة دون الحاجة إلى دعم خارجي في معظم السيناريوهات."
السياحة والتحويلات
يبقى مصير اثنين من المصادر الحيوية للعملة الصعبة في دائرة الغموض؛ إذ سجلت تحويلات المصريين في الخارج أرقاما قياسية خلال العام الماضي بلغت 41.5 مليار دولار، معظمها من العاملين في دول الخليج التي تشهد اضطرابات متصاعدة.
كما استقبلت مصر عام 2025 نحو 19 مليون سائح في رقم قياسي تاريخي جلب معه 13.5 مليار دولار في التسعة أشهر الأولى، وقد دفع إليه افتتاح متحف الحضارات الأثري بمليار دولار في نوفمبر الذي استقطب مزيدا من الزيارات الأجنبية، وإن كانت غرفة السياحة المصرية أشارت إلى أن بعض الإلغاءات "متوقعة وطبيعية في هذه الظروف"، فإن تجربة حرب غزة التي مرت دون أن تمس السياحة المصرية تبقى مصدر تفاؤل حذر، لا سيما أن تحذيرات السفر الدولية لم تتغير منذ اندلاع الصراع الحالي. وكما قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لوسائل الإعلام الأسبوع الماضي ملخصا المشهد بجملة واحدة: "السؤال الرئيسي الذي لا يستطيع أحد الإجابة عنه هو كم من الوقت ستستمر هذه الحرب."