صدمة محتملة لأسواق الطاقة: مضيق هرمز تحت الضغط وصادرات الخليج تواجه المخاطر
تشير التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط إلى احتمال حدوث صدمة كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، مع مخاطر مباشرة على صادرات النفط والغاز وانعكاسات متوقعة على النمو الاقتصادي العالمي. وتحذر تقديرات خبراء الطاقة والسياسة من أن أي تصعيد طويل للصراع قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية ويهدد استقرار الاقتصادات الكبرى حول العالم، وفقا لموقع ستاندرد آند بروز جلوبال.
ويواجه قطاع الطاقة العالمي احتمال اضطراب حاد في تدفقات النفط والغاز إذا تعطلت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. ويعد المضيق شريانًا حيويًا لتجارة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره يوميًا ما يقرب من خمس الإمدادات العالمية من النفط، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. ولذلك فإن أي تعطيل لحركة الملاحة فيه قد يؤدي إلى تأثيرات فورية وعنيفة على أسواق الطاقة الدولية، بحسب تقييم وكالة S&P Global Ratings لتداعيات التوترات الجيوسياسية في الخليج.
ويمثل مضيق هرمز الرابط الحيوي بين الخليج العربي وخليج عمان، والمسار البحري الأساسي لصادرات النفط من كبار المنتجين مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق.
وتشير تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية إلى مرور ما بين 18 و20 مليون برميل نفط يوميًا عبر المضيق، إضافة إلى جزء كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر، ما يجعل استقرار الملاحة فيه عاملًا حاسمًا لاستقرار أسعار الطاقة العالمية.
وأكدت ستاندرد آند بروز جلوبال أن أي تعطيل مستمر سيؤدي إلى "تأثيرات حادة للغاية" على قدرة دول الخليج على تصدير النفط والغاز، نظرًا لاعتماد معظم البنية التحتية للتصدير على هذا الممر البحري الحيوي.
تحذيرات قطرية: أسعار النفط قد تقفز إلى 150 دولارًا
حذر وزير الطاقة القطري سعد الكعبي من أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يدفع أسعار النفط إلى مستوى قياسي يصل إلى 150 دولارًا للبرميل إذا أوقفت دول الخليج إنتاجها. وأوضح أن إعادة تشغيل إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد إغلاق أكبر محطة في العالم نتيجة الحرب قد يستغرق "أسابيع إلى شهور".
وأضاف أن المنافسة العالمية بين عدد أقل من منتجي الغاز قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد، بينما أي تدخلات عسكرية إضافية من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قد تضغط على إنتاج النفط وصادراته، ما يفاقم حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية.
خيارات بديلة محدودة
ورغم امتلاك بعض دول الخليج لخطوط أنابيب بديلة لتجاوز المضيق جزئيًا، فإن هذه الخيارات تظل محدودة مقارنة بحجم الصادرات الإجمالي. فالسعودية تمتلك خط أنابيب يربط حقول النفط بميناء ينبع على البحر الأحمر لتصدير جزء من الإنتاج بعيدًا عن المضيق، وتمتلك الإمارات خط أنابيب يربط حقولها النفطية بميناء الفجيرة على خليج عمان. ومع ذلك، فإن هذه المسارات البديلة لا يمكنها استيعاب كامل حجم الصادرات الخليجية، ما يعني أن أي إغلاق طويل للمضيق سيظل يشكل صدمة كبيرة للأسواق العالمية.
تأثيرات مباشرة على الأسعار وسلاسل الإمداد
وأدى تصاعد التوترات إلى موجة ارتفاع في أسعار الطاقة، حيث ارتفع سعر الغاز الطبيعي المسال في أوروبا بأكثر من 50٪ منذ الأسبوع الماضي، بينما تجاوز سعر برنت 82 دولارًا للبرميل. ويشير المسؤولون إلى أن استمرار الحرب لبضعة أسابيع فقط قد يؤثر على نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع نقص محتمل في بعض السلع وارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم، ما يؤدي إلى سلسلة من التبعات المتتالية للمصانع وسلاسل الإمداد. وأكد الوزير القطري أن "كل من لم يعلن حالة القوة القاهرة من المتوقع أن يفعل ذلك خلال الأيام المقبلة لتجنب المسؤوليات القانونية المحتملة".
سوق أكثر هشاشة
وتشير التحليلات إلى أن أسواق الطاقة أصبحت أكثر حساسية للصدمات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية خلال جائحة كورونا والحرب في أوروبا الشرقية. وفي هذا السياق، فإن أي اضطراب في مضيق هرمز لن يكون مجرد حدث إقليمي، بل قد يتحول إلى أزمة طاقة عالمية لها انعكاسات واسعة على النمو الاقتصادي والتضخم والاستقرار المالي.
كما تؤكد التقديرات أن أي توقف طويل لإنتاج النفط والغاز قد يضاعف ضغوط الأسعار على المستهلكين العالميين، ويجعل شركات الطاقة في مواجهة معقدة مع الحكومات في أوروبا وآسيا وأمريكا، ما يزيد احتمالات موجة تضخم جديدة ويعقد سياسات الاحتياطي النقدي والبنوك المركزية.
تداعيات اقتصادية عالمية
وتشير التحليلات إلى أن توقف صادرات النفط والغاز من الخليج سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا، مما يضغط على اقتصادات أوروبا وآسيا وأمريكا، ويزيد احتمالات موجة تضخم جديدة.
وتضيف مصادر في تصريحات لصحيفة City AM البريطانية أن "الحرب ستدمر النمو وتؤدي إلى سلسلة ردود أفعال في سلاسل الإمداد العالمية، ما قد يهدد الاقتصاد العالمي بأسره". وفي هذا الإطار، من المتوقع أن تتأثر مؤشرات الإنتاج الصناعي، وأن تضطر بعض الدول لإعادة النظر في سياسات الطاقة والاستيراد، بالإضافة إلى تأجيل خطط التنمية والاستثمار.
المخاطر الجيوسياسية
ويمثل مضيق هرمز نقطة توتر مزمنة بين إيران وسلطنة عمان. وعلى مدى العقود الماضية، شهد المضيق العديد من التهديدات العسكرية وإغلاقاته الجزئية خلال الأزمات الإقليمية، ما يجعله حساسًا لأي تصعيد جديد. وأي استمرار للأزمة سيؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق المالية، مع ميل المستثمرين للجوء إلى الأصول الآمنة مثل الذهب، في حين ترتفع أسعار الطاقة بشكل كبير، ما يزيد من المخاطر على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
يشير الخبراء إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع قد يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل في الأسواق العالمية تشمل ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، تعطيل سلاسل الإمداد، وتأجيل مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة. كما يمكن أن تتأثر ميزانيات الدول المستوردة للطاقة، بينما سيزداد الطلب على النفط من منتجي الطاقة البديلة والغاز الطبيعي المسال من دول أخرى، ما يعقد المشهد الجيوسياسي ويزيد هشاشة الاقتصاد العالمي.
هشاشة السوق العالمي
وتجعل الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب التحديات اللوجستية وارتفاع أسعار الطاقة، الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة من أي وقت مضى. وتؤكد التحليلات أن أي تصعيد إضافي لن يؤثر على المنطقة فحسب، بل سيكون له انعكاسات مباشرة على أسعار الوقود والطاقة، واستقرار الأسواق المالية، وقدرة الاقتصادات الكبرى على الصمود أمام صدمات متلاحقة.