< تحت المآذن المحطمة.. غزة تقيم أول صلاة تراويح بعد الحرب
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

تحت المآذن المحطمة.. غزة تقيم أول صلاة تراويح بعد الحرب

الرئيس نيوز

أحيا الفلسطينيون أولى ليالي رمضان بين الأنقاض وأقاموا صلاة التراويح بإيمان لا يقهر وصمود يتحدى الدمار، وفي مشهد يمزج بين الألم والإصرار، أقام سكان غزة أول صلاة تراويح جماعية منذ انتهاء الحرب الأخيرة التي استمرت سنتين، وسط دمار واسع للبنية التحتية والمساجد. 

وتجمع المصلون في مسجد الألباني المتضرر بشدة بخان يونس، لأداء أول صلاة تراويح في الشهر الفضيل، رغم الدمار الذي خلفته هجمات قوات الاحتلال الإسرائيلي، والطائرات بدون طيار التي كانت تحلق فوق رؤوسهم، والعائلات التي لا تزال تودع مفقوديها، وفقا لصحيفة يني شفق التركية.

ومع حلول الغسق، لم تكن المساجد قادرة على احتضان كافة المصلين، فاختار الفلسطينيون الصلاة فوق الأنقاض وفي ساحات مفتوحة وخيام مؤقتة. ركع المصلون على أرضية غير مستوية من الخرسانة والرمال، حيث كانت الأرضيات الرخامية ذات يوم، وأضاءت أضواء مولدات ضعيفة المكان عبر أغطية من النايلون مشدودة على الجدران المهدمة. هذا المشهد كان رمزًا حيًا للإصرار الديني والثبات الإنساني، رغم كل ما خلفته الحرب من خسائر مادية وبشرية. 

أكثر من ألف مسجد مهدّم

أفاد مكتب الإعلام الحكومي في غزة أن أكثر من 1،015 مسجدا تعرض للتدمير أو الضرر، بينها 835 مسجدا دمر بالكامل. 

وقد اضطر المصلون لاستخدام أغطية بلاستيكية مؤقتة كقباب بديلة، بينما استمرت الطائرات الإسرائيلية بدون طيار في التحليق فوق المكان، لتظل التوترات قائمة حتى بعد التهدئة الهشة التي تلت الحرب.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الأعداد الهائلة من المساجد المهدمة لم تثن الفلسطينيين عن أداء عبادتهم، بل زادت من معنوياتهم وروح الصمود، مؤكدين أن العبادة تمثل جزءًا من هويتهم الثقافية والدينية التي لا تقهر.

العودة إلى مسجد العمري التاريخي

في المدينة القديمة بغزة، عاد المئات إلى مسجد العمري التاريخي، أحد أقدم وأكبر مساجد فلسطين، الذي تأسس قبل أكثر من 14 قرنًا. 

المسجد تعرض لأضرار شبه كاملة خلال قصف ديسمبر 2023، لكن بعض أقسامه غطيت مؤقتًا لتوفير إمكانية وصول محدودة للمصلين.

وقال معاوية كاشكو، أحد المصلين من حي الزيتون: "حتى بعد كل شيء، يفضل الناس الصلاة هنا. خلال الحرب، كنا نموت كل يوم. لكن هذا لا يزال مسجدنا." 

وأضاف أبو عبد الله خلف: "نقف هنا رغم الدمار. نريد الإغاثة ونريد الاستقرار."

هذا التوجه إلى المسجد التاريخي يعكس ارتباط الفلسطينيين العميق بتاريخهم الروحي ومقدساتهم الدينية، ورغبتهم في إعادة الحياة إلى الأماكن التي تحمل ذاكرة قرون من الصلاة والعبادة.

في أنحاء غزة، أقيمت خيام صلاة مؤقتة فوق الأنقاض، حيث أشار الشيخ رامي الجروشة، إمام مسجد الأمين محمد المتضرر بشدة، إلى أن رمضان هذا العام يختلف عن كل الأعوام السابقة:
"الناس متعبون من الحرب، من الفقد، من النزوح، ومع ذلك سنصلي في أي مكان، حتى فوق الأنقاض."

أما رمزي المشهراوي، البالغ من العمر 65 عامًا، فقد استقبل الشهر الفضيل بغياب عميق؛ فقد فقد اثنين من أبنائه وحفيدًا، رفاق كانوا يرافقونه في ليالي رمضان السابقة. 

وقال بهدوء قبل الانضمام للمصلين في موقع مؤقت فوق بقايا مسجد الكنز: "هذا العام أشعر بالوحدة، لكن لا بد أن نصلي ونصبر."

 عند إعلان مفتي غزة أن الأربعاء هو أول أيام رمضان، وصف كثيرون شعور الفرح بأنه محدود ومكتوم. 

بينما كانت الطقوس الرمضانية في سنوات سابقة تمر تحت القصف والجوع، تكافح العائلات الآن لإعداد وجبات بسيطة وسط الانقطاع الكبير للكهرباء، ونقص المواد الأساسية، وغياب إعادة الإعمار.

واليوم، يعيش آلاف الفلسطينيين في خيام مؤقتة بين الأنقاض، إلا أن المصلين أظهروا روح تحدٍ صامتة، متجمعين بين الجدران المهدمة والأغطية المؤقتة، متمسكين بالعبادة والأمل.

تجدر الإشارة إلى أن الهدنة المدعومة أمريكيا، سارية منذ 10 أكتوبر 2025، أوقفت حربا أودت بحياة أكثر من 72 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، وأصابت أكثر من 171 ألفا. 

ومنذ سريان الاتفاق، أفادت وزارة الصحة في غزة بأن القوات الإسرائيلية ارتكبت مئات الانتهاكات، أسفرت عن استشهاد 603 فلسطينيين وإصابة 1،618 آخرين.

ومع كل ذلك، يتجمع المصلون في غزة تحت المآذن المحطمة وعلى الأرض المدمرة وأطنان من الركام والأنقاض في ضوء خافت، رافضين السماح للحرب بسرقة عبادتهم أو أملهم في المستقبل، مؤكدين أن الإيمان والثقافة والطقوس الدينية قوى قائمة بذاتها ولا يمكن تدميرها حتى في ظل أكثر الظروف قسوة.