البحر الأحمر.. عودة جزئية للملاحة وسط تحفظ عالمي واستراتيجيات جديدة
في مؤشر جديد على تعافي الحركة البحرية الدولية، أظهرت بيانات حديثة واستطلاع أجرته منصة Readers Speak أن العودة إلى الملاحة عبر البحر الأحمر تجري بشكل متدرج وحذر. ورغم التحسن الملحوظ في الظروف الأمنية بالممر الاستراتيجي، يظل القطاع البحري العالمي في حالة يقظة قصوى، حيث تُفضل غالبية شركات الشحن اتخاذ خطوات محسوبة قبل استئناف العبور الكامل عبر هذا الطريق الحيوي الذي يربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي، ويشكل أحد الشرايين الرئيسية للتجارة العالمية بما يشمل النفط الخام والبضائع المصنعة والحاويات، وفقا لمجلة كونتينر نيوز.
عقلية إدارة المخاطر: الانضباط فوق الاندفاع
وكشفت نتائج الاستطلاع بوضوح أن شركات النقل البحري باتت أكثر حرصًا على تبني استراتيجيات متقدمة لإدارة المخاطر. فالقطاع، الذي لطالما تميز بالجرأة وسرعة اتخاذ القرارات، يتجه اليوم إلى نهج تدريجي يعتمد على تقييم دقيق لكل مسار وخيار تشغيل. التحالفات البحرية، المسارات البديلة، وحتى العودة إلى البحر الأحمر، تخضع الآن لاختبارات صارمة قبل اعتمادها على نطاق واسع.
ولفتت المجلة إلى أن الرسالة التي يوجهها كبار مشغلي الأساطيل واضحة ومفادها أن الاستقرار والاستدامة على المدى الطويل أهم من المكاسب السريعة أو المغامرات غير المضمونة.
وذكرت أن هذه العقلية تعكس دروسا قيمة من تجربة السنوات الأخيرة، حيث تسببت الأزمات الأمنية والجيوسياسية في خسائر كبيرة للشركات التي لم تقيم المخاطر بدقة قبل الإقدام على قرارات تشغيلية جريئة، بما في ذلك عمليات اختطاف السفن، وهجمات القراصنة المحتملة، والتقلبات السياسية المفاجئة في دول الحوض الأحمر مثل اليمن والسودان.
الضغوط الاقتصادية: حسابات دقيقة قبل أي خطوة
بعيدا عن المخاطر الأمنية، تظل العوامل الاقتصادية هي المحدد الرئيسي لسلوكيات القطاع البحري. ارتفاع تكاليف الوقود عالميًا، وزيادة أقساط التأمين على السفن والطواقم، وضمان الالتزام بالجداول الزمنية بدقة، كلها عوامل تجعل أي عودة سريعة للملاحة محفوفة بالخسائر المحتملة.
وفي سوق يعاني من فائض في سعة السفن وضغوط على الأسعار العالمية، ليس من المفيد للمشغلين المخاطرة بممرات حرجة مقابل مكاسب محدودة. شركات الشحن تُقيّم اليوم تكلفة التأمين لكل رحلة عبر البحر الأحمر مقارنة بالمسارات البديلة، مثل طريق رأس الرجاء الصالح أو المرور عبر قناة السويس مع اعتماد أساطيل أصغر وسفن حديثة مزودة بتقنيات تتبع حديثة لمراقبة المخاطر الأمنية.
عودة جزئية: عودة بحذر
وتعتمد الاستراتيجية الحالية على عودة جزئية ومتدرجة. وتشير لتجارب الميدانية التي بدأت بعض الشركات في تنفيذها إلى استخدام سفن صغيرة، ووسائل مراقبة أمنية دقيقة، وجداول زمنية مرنة للتكيف مع أي تغييرات مفاجئة في البيئة الأمنية أو السياسية.
كما أن بعض الشركات بدأت بجدولة رحلات محددة لنقل البضائع عالية القيمة أو الحاويات السريعة، بينما تؤجل الشحنات الأقل حساسية إلى حين تثبيت استقرار الأوضاع.
وتؤكد مصادر الصناعة أن هذا النهج لا يعني توقف الملاحة، لكنه يعكس وعي الشركات بأن المخاطر لم تُلغَ بعد، وأن السيطرة على الوضع تتم ضمن حدود مقبولة. هناك فهم راسخ بين المشغلين بأن أي اندفاع نحو استعادة النشاط الكامل قد يؤدي إلى خسائر مادية جسيمة أو تعريض الطواقم لأخطار غير محسوبة، بما في ذلك الهجمات القراصنة والتأثيرات السياسية المفاجئة في مناطق النزاع القريبة من المضيق الحيوي.
دروس من التجارب السابقة
التحفظ الذي يسود البحر الأحمر اليوم ليس أمرا جديدا على القطاع البحري. فقد سبق أن رفضت غالبية الشركات اعتماد الطريق القطبي الشمالي بسبب المخاوف البيئية، وضعف البنية التحتية، وارتفاع التكاليف اللوجستية. واليوم، تتكرر نفس العقلية مع البحر الأحمر، حيث الأولويات تتعلق بالأساسيات التجارية، وليس بالمناورات الجيوسياسية أو التوقعات المفرطة في التفاؤل بشأن الأمن.
وتتبنى شركات الشحن الكبرى، مثل ميرسك وماسك لاين، استراتيجيات هجينة تجمع بين المرور الجزئي عبر البحر الأحمر مع الاستفادة من الموانئ البديلة مثل جدة والسويس، لتقليل المخاطر مع الحفاظ على الكفاءة اللوجستية.