جيش الأحلام أم كابوس أمريكا؟ خطوات ترامب نحو ميزانية حرب بـ1.5 تريليون دولار
تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رفع ميزانية الدفاع الأمريكية إلى مستوى غير مسبوق يبلغ نحو 1.5 تريليون دولار في العام 2027، أي ما يقارب نصف تريليون دولار أكثر من ميزانية البنتاجون الحالية.
وترى الإدارة أن هذا الإنفاق الضخم يمثل استثمارا في أمن الدولة، بينما يحذر خبراء من أن المبالغة في تسليح الجيش لا تحقق بالضرورة الأمان، بل تهدد الديمقراطية والحرية وتغذي ثقافة الحروب المستمرة. مثل هذه السياسة، وفق محللين، تعكس ميلا طويل الأمد للولايات المتحدة إلى الهيمنة العالمية عبر القوة العسكرية، وليس فقط الحفاظ على الأمن الوطني وفق مبادئ عادلة وواقعية، وفقا لموقع "أنتي وور" الأمريكي.
ويبرز على المشهد السياسي الأمريكي شخصيات مثل بيت هيجسيت، المعروف بلقب "وزير الحرب"، والسيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، اللذين يشجعان بشكل مستمر على المواجهات العسكرية مع دول مثل فنزويلا وإيران وحتى روسيا. هؤلاء يعبرون عن اعتقاد راسخ بأن الولايات المتحدة لديها مهمة إلهية للسيطرة على العالم، وأن القوة العسكرية هي السبيل لتحقيقها. وبالرغم من ذلك، فإن هذا التوجه يلقى قبولا واسعا داخل النخبة السياسية والثقافية، مما يعكس هيمنة واضحة للتيار المؤيد للتسليح والحروب المستمرة.
وتاريخيا، لم تكن هذه الظاهرة جديدة على الولايات المتحدة. فقد كان الرئيس رونالد ريجان في الثمانينيات يروج لمفاهيم مثل "المبادرة الدفاعية الاستراتيجية" المعروفة بـ"حرب النجوم"، بينما كانت موسكو وقتها القوة العظمى المنافسة. واليوم، مع غياب المنافس التقليدي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، يظهر ترامب حماسة غير مسبوقة لإنشاء أسطول بحري كبير، يصفه بـ"الأسطول الذهبي"، حتى اقترح أن تسمى بعض سفنه باسمه، وهو توجه يثير التساؤل حول الغاية الحقيقية من هذه التصورات الطموحة.
وفي أعقاب تقاعدهم من القوات الجوية الأمريكية، كتب العديد من الخبراء والمحللين مثل وليام أستور وتوم إنجلاردت عن المخاطر التي يمثلها هذا التوسع العسكري، محذرين من أن المبالغة في الإنفاق العسكري تهدد الديمقراطية الداخلية وقد تفسد البنتاجون نفسه، الذي غالبًا لا يطلب أموالا إضافية بهذا الحجم. ومع ذلك، فإن هذا الطلب على المزيد من الميزانية لم يلق أي مقاومة جدية من الكونجرس، بل على العكس، تم تجاهل التحذيرات التاريخية للجنرال دوايت أيزنهاور الذي حذر في عام 1961 من صعود نفوذ المركب الصناعي العسكري وتأثيره على المجتمع الأمريكي من الناحية الاقتصادية والسياسية والروحية.
ويعرف أيزنهاور بأنه أول شخصية بارزة حذرت الأمريكيين من التزايد المقلق للقوة العسكرية والصناعية في البلاد. فقد أكد أن هذا التحالف بين الجيش والصناعة يمكن أن يسيطر على كل مفاصل الحكومة ويؤثر في المجتمع بأكمله، محذرًا من أن الإفراط في الاعتماد على القوة العسكرية يمكن أن يقوض الحريات ويفسد العمليات الديمقراطية. والواقع أن هذه التحذيرات لم تلقى استجابة فعلية، واستمر البنتاجون في التوسع والتضخم المالي، بينما تزداد الولايات المتحدة تورطا في حروب باهظة الثمن وفي صراعات بعيدة عن مصالحها المباشرة.
وعلى مر العقود، تمكن التحالف المؤثر بين الجيش، والصناعات الدفاعية، والكونجرس، وأحيانًا الإعلام والأكاديمي، المعروف اصطلاحا باسم "المركب الصناعي العسكري" من السيطرة شبه الكاملة على القرارات الحكومية، رغم إخفاقاته المتكررة في ساحات الحروب المختلفة مثل فيتنام وأفغانستان والعراق. واليوم، يسعى ترامب لزيادة الإنفاق العسكري بمقدار نصف تريليون دولار إضافية، وهو رقم يفوق قدرة البنتاجون نفسه على الصرف الفعلي، حتى أن حتى البحارة في البحرية لو حاولوا التعامل مع هذه الميزانية كانوا سيواجهون صعوبة هائلة في إدارتها.
هذه الزيادة في الإنفاق لا تضر الولايات المتحدة فحسب، بل تؤثر أيضًا في الجيش نفسه، الذي لم يطلب هذه الأموال، لكنها تفرض عليه وتغير أولوياته. ومع كل زيادة، يصبح التفكير الواضح والإبداعي أقل، بينما تزداد الرغبة في التوسع العسكري والمعدات الجديدة. ومن المفارقات أن ترامب كان أحيانًا ينتقد المعقد الصناعي العسكري في حملاته السابقة، لكن سياساته الحالية تظهر تحولًا كاملًا نحو التوسع الإمبراطوري والهيمنة العسكرية على العالم، مع تجاهل كبير للتكاليف الداخلية والأضرار المحتملة على الديمقراطية والمجتمع الأمريكي.
ونصح موقع أنتي وور بأنه ينبغي للمجتمع الأمريكي أن يعيد النظر بشكل جذري في أولويات الإنفاق العسكري، ويقلص ميزانية البنتاجون، ويعتمد على التفكير الاستراتيجي بدلًا من الهوس بالقوة المطلقة. فالاعتماد على الحروب والأسلحة لا يضمن العظمة الوطنية، بل قد يؤدي إلى التدهور الاقتصادي والسياسي والروحي، كما حذر أيزنهاور قبل أكثر من ستين عاما. ورجح الموقع أن الحل يكمن في تقليص الإنفاق العسكري، وتعزيز الدبلوماسية، والسعي لتحقيق السلام، بدلا من تغذية أحلام الإمبراطورية والوصول إلى ميزانية خيالية تبلغ 1.5 تريليون دولار.
وفي عيدها الوطني الـ250، تواجه الولايات المتحدة فرصة فريدة لإعادة اكتشاف جذور استقلالها التي قامت على مقاومة الإمبراطورية والهيمنة العسكرية. ويظل التحرك الحقيقي نحو تقليص البنتاجون وتحجيم النفوذ العسكري الضخم هو الطريق الأمثل لإنقاذ البلاد وحماية الديمقراطية والحريات، قبل أن تصبح الولايات المتحدة رهينة لعالم من الحروب المستمرة والمركب الصناعي العسكري المتضخم، ويقصد بهذا المركب الخطير التحالف المؤثر بين الجيش، والصناعات الدفاعية، والكونجرس، وأحيانا الإعلام والمؤسسات الأكاديمية.