< بعد سقوط الفاشر.. صراع سوداني مستعر تموله التكنولوجيا والأسلحة الأجنبية
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

بعد سقوط الفاشر.. صراع سوداني مستعر تموله التكنولوجيا والأسلحة الأجنبية

الرئيس نيوز

مع سقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في أواخر أكتوبر 2025 على يد قوات الدعم السريع، تحول الصراع السوداني إلى مرحلة أكثر شراسة وتعقيدا، حيث أصبحت التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وخاصة الطائرات بدون طيار، العامل الحاسم في تغيير موازين القوى بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. 

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنه بعد حصار دام أكثر من 18 شهرًا، أدى سقوط المدينة إلى موجة من الفظائع المنظمة، بما في ذلك عمليات إعدام جماعي، وعنف جنسي واسع النطاق، واستهداف عرقي للمدنيين أثناء محاولات الفرار، مما وصفته منظمة الأمم المتحدة بأنه "مسرح جريمة" يشمل آلاف القتلى. 

وتابعت التايمز: "هذه الأحداث لم تكن نهاية فصل، بل بداية تصعيد إقليمي يعتمد على تدفق الأسلحة المتطورة من جهات خارجية، حيث أصبح السودان ميدانًا لاختبار حروب الطائرات بدون طيار عالية الدقة، مدفوعة بمصالح قوى إقليمية ودولية متنافسة تسعى لتعزيز نفوذها في القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر".

ومنذ سقوط الفاشر، انتقل محور القتال شرقا نحو منطقة كردفان الغنية بالنفط، حيث شهدت مدن مثل كادقلي وديلنج حصارا طويلا من قبل قوات الدعم السريع وحلفائها، مما أدى إلى تفاقم المجاعة والنزوح الجماعي. في يناير 2026، نجح الجيش السوداني في كسر حصار ديلنج وكادقلي جزئيا من خلال هجمات مضادة، لكن المنطقة ظلت ساحة للاشتباكات المتواصلة، مع استخدام مكثف للطائرات بدون طيار من الجانبين. 

وتؤكد تقارير منظمات إنسانية أن هجمات الطائرات بدون طيار أصبحت أكثر تكرارا، حيث تجاوز عدد الهجمات الموثقة أكثر من ألف هجوم جوي منذ أبريل 2023، مما أسفر عن مقتل مدنيين في أسواق، مستشفيات، ومواكب إغاثة. على سبيل المثال، في فبراير 2026، أدت هجمات طائرات بدون طيار تابعة لقوات الدعم السريع إلى مقتل 24 شخصًا، بينهم 8 أطفال، في مركبة تنقل نازحين في وسط السودان، بالإضافة إلى هجمات أخرى على مستشفيات عسكرية ومواقع إغاثية، مما يعكس نمطًا من الاستهداف المتعمد للبنية التحتية المدنية.

التكنولوجيا الأجنبية العمود الفقري للصراع المستعر

يعتمد الجيش السوداني يعتمد على طائرات بدون طيار إيرانية مثل موهاجر-6، وتركية مثل بيرقدار TB2 وأكينجي، التي ساعدت في استعادة مناطق رئيسية في الخرطوم ووسط السودان. 

في المقابل، تتلقى قوات الدعم السريع دعما من طائرات صينية مثل CH-95 وFH-95، إلى جانب أسلحة أخرى، مما يجعل الحرب اختبارا حقيقيا لأنظمة الطائرات بدون طيار والحرب الإلكترونية. لكن هذا التدفق غير الرسمي للأسلحة، الذي يتجاوز الحظر الدولي عبر طرق برية وبحرية وجوية، يعزز من طول أمد النزاع ويحوله إلى حرب بالوكالة، حيث تسعى جهات إقليمية لتأمين مصالحها الاستراتيجية، سواء في الوصول إلى قواعد بحرية على البحر الأحمر أو السيطرة على موارد الذهب والنفط.

ووسط هذا التصعيد التكنولوجي، تتفاقم الكارثة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة. أكثر من 25 مليون شخص يواجهون خطر المجاعة الحادة، مع تأكيد حالات مجاعة في مناطق دارفور وكردفان، وارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال إلى نسب تصل إلى 53% في بعض المناطق مثل أم برو وكرنوي. 

ويصف النازحون رحلات فرار مليئة بالرعب من فوضى دارفور، مع انتشار الأمراض والجوع الذي يهدد بكارثة. كما تحذر تقارير الأمم المتحدة من انتشار المجاعة إلى مناطق إضافية في دارفور، مع توقعات بزيادة حالات سوء التغذية الحاد بنسبة 13.5% في 2026، لتصل إلى نحو 4.2 مليون حالة بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات. 

وتساهم عرقلة المساعدات الإنسانية، بما في ذلك هجمات على قوافل الإغاثة، في تفاقم الوضع، حيث يقدر عدد ضحايا الحرب بأكثر من 40 ألفا، مع تقديرات أخرى تشير إلى أرقام أعلى بكثير.

وتتراكم الأدلة على جرائم الحرب بشكل يومي، مع توثيق هجمات على مستشفيات، مدارس، ومواكب إغاثة، بالإضافة إلى عمليات إعدام ميداني، اختطاف أطفال، وتدمير منهجي للبنية التحتية. شهادات الناجين تكشف عن نمط من العنف المنظم، خاصة في دارفور بعد سقوط الفاشر، حيث وثقت منظمات حقوقية عمليات اغتصاب جماعي وإعدامات عرقية. محكمة الجنايات الدولية تواصل تحقيقاتها في جرائم دارفور، بينما يستمر الجدل حول "الذنب بالارتباط" للجهات الداعمة خارجيا. إلا أن الجهود الدولية لوقف إطلاق النار تواجه عقبات، رغم مقترحات لمرحلة انتقالية وانتخابات، إلا أن رفض الأطراف المتحاربة يعيق أي تقدم حقيقي.

ومع مرور أكثر من 1000 يوم على اندلاع الصراع في أبريل 2023، يدفع المدنيون – وخاصة النساء والأطفال – الثمن الأغلى، حيث أصبح السودان أكبر أزمة نزوح في العالم مع أكثر من 14 مليون نازح. التحذيرات من تفاقم المجاعة والنزوح تتزايد مع اقتراب موسم الأمطار، الذي يهدد بتعميق الكارثة. 

ويظل السودان شاهدًا على كيف يمكن لصراع داخلي أن يتحول إلى أزمة إقليمية وعالمية، حيث تتداخل التكنولوجيا العسكرية المتقدمة مع المعاناة الإنسانية الهائلة، مما يجعل الحل بعيد المنال دون تدخل دولي حاسم ومنسق يركز على وقف تدفق الأسلحة وفتح ممرات إغاثية آمنة.