السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 07 ربيع الأول 1442
رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements

«ممنوع التصوير».. رحلة الفيلم السياسي في السينما المصرية (1-4)

الإثنين 24/فبراير/2020 - 02:46 م
الرئيس نيوز
إخاء شعراوي
طباعة

رغم خلو القاموس السينمائي من مصطلح "الفيلم السياسي" وعدم الوصول إلى معايير ثابتة لتصنيفه، إلا أن السينما المصرية قدمت خلال مسيرتها العديد من الأفلام التي يمكن تصنيفها كأفلام سياسية، منها ما ناقش الأوضاع السياسية بشكل مباشر، وأخرى حملت إسقاطات على الأوضاع الاجتماعية والسياسية.

وقدمت السينما المصرية على مدار تاريخها ما يقرب من 100 فيلم يمكن تصنيفها كأفلام سياسية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ويستعرض "الرئيس نيوز"، فى هذة الحلقة، رحلة الفيلم السياسي مستندا إلى كتاب "الفيلم السياسي في مصر"، للكاتب محمود قاسم، والصادر عن الهيئة المصرية العامة  للكتاب،  أبرز الأفلام التي يمكن وصفها بالسياسية وكيف كان دور الرقابة في مواجهتها.

ويعد فيلم "لاشين" الذي عرض في ثلاثينات القرن الماضي، أول فيلم سينمائي مصنف كفيلم سياسي، ورفض النظام الحاكم حينها عرضه بل وأجبروا صناعه على تغيير نهايته بعد الموافقة على عرضه، ورغم الصبغة التاريخية التي تحكم تفاصيل الفيلم، إلا أن أحداث الفيلم نفسها حملت إسقاطًا على أوضاع سياسية في الحقبة الزمنية التي قدم فيها، فالفيلم يتحدث عن الطغيان في الماضي والحاضر ويتناسب أيضا مع المستقبل.

وبدأت السينما تتجه للأفلام السياسية بشكل موسع وأكثر مباشرة مع قيام ثورة يوليو 1952، والتي قدم عنها أكبر عدد من الأفلام التي ألقت الضوء على المرحلة التي سبقتها بسنوات ونتائجها على المجتمع، ولا يمكن إنكار أن بعض الأفلام كانت تستهدف تشويه حكم الملك فاروق، بل وتشويه فاروق شخصيا، فى محاولة من صناعها لدعم الثورة وتجميل وتحسين صورة من قاموا بها.

وخلال السطور التالية نرصد  تاريخ الفيلم السياسي وتحولاته مع مرور الزمن، بداية من انطلاق السينما المصرية حتى اليوم.

ما قبل ثورة يوليو 52.. أفلام داعمة للملك

لم تهتم السينما قبل ثورة يوليو 1952 بالفيلم السياسي، حتى فيلم "لاشين" الذي أنتج في الثلاثينات من القرن الماضي لم يكن سياسيا بالمعنى الدقيق، بل حمل إسقاطات سياسية على زمن بعيد وليس زمن إنتاجه، ولذلك لا يمكن أن تجد أفلاما يمكن تصنيفها كسياسية قبل ثورة يوليو، إلا أن جميع الأفلام التي قدمت خلال هذه المرحلة كانت تدعم الملك فاروق بشكل كبير من خلال إظهار صوره وإلقاء الضوء عليه في بعض المشاهد والأغنيات ومحاولة إظهاره راعي الفن، من هذه الأفلام "ليلي بنت الفقراء" و"قلبي دليلي" و"الماضي المجهول"، و"غرام وانتقام" الذي قدم خلاله أوبريت أمجاد أسرة فاروق بالكامل بداية من إسماعيل وفؤاد.

بعد ثورة يوليو.. فساد الملك وقضية فلسطين

جاءت ثورة يوليو بانفتاحه كبيرة للسينما السياسية، خاصة أن الثورة كانت تحتاج للسينما من أجل توصيل رسالتها وأهدافها للشعب، وقدمت السينما الكثير من الأعمال السياسية بعد ثورة يوليو، وكانت البدابة عام 1955 من خلال فيلم "قصة حبي" لهنري بركات والذي سعى فريد الأطرش من خلاله لترويج فكرة أن فاروق خطف حبيبته وهي قصة حقيقية عندما تزوج من ناريمان التي كانت تجمعها قصة حب بفريد الأطرش.

وتطرقت السينما بشكل كبير خلال هذه المرحلة للقضية الفلسطينية، وترويج قصة الأسلحة الفاسدة ومن الأفلام التى قدمت في هذا السياق "الإيمان" عام 1952 و"الله معنا" و"نهر الحب" و"الحياة الحب" عام 1954، و"رد قلبي" و"الأقدار الدامية" و"أرض الأبطال" و"أنا حرة" و"وداع فى الفجر" و"أرض السلام" خلال أعوام 1956 وحتى 1969، وجميعها أفلام سياسية قدمت بعد ثورة يوليو وكشفت فساد حكم الملك فاروق، منها ما كان حقيقيا ومن منها ما كان فيه تحامل على الملك دون سند أو إثبات.

 

ثم قدمت السينما عام 1966 فيلم "من أحب" وهو فيلم سياسي يعيد إلى الأذهان قضية الأسلحة الفاسدة حرب فلسطين، وكان النظام الحاكم حينها يستخدم السينما بشكل كبير للترويج لنفسه وتشويه من سبقوه، كما قدمت السينما أفلاما سياسية أخرى منها "طريق الأبطال" عام 1961، وفي نفس العام تم تقديم فيلم "صراع الجبابرة".

بالطبع استهدفت السينما خلال حكم ناصر عدة محاور أولها تشويه حكم فاروق ثم الترويج لرجال الجيش الذين قاموا بالثورة، مع الإصرار على دمج القضية الفلسطينية في أغلب الأعمال لجذب الشعب واكتساب تأييده ودعمه، حيث أعلنت السينما منذ اللحظة الأولى لثورة يوليو تأييد الثورة ودعمها والترويج لها بشكل كبير، وكان آخر الأعمال التي نذكرها هنا فيلم "غروب وشروق" الذي عرض عام 1970 أي قبل وفاة عبدالناصر ببضعة أشهر أما الفيلم السياسي الوحيد الذي انتقد بعض سلبيات الثورة بشكل مباشر كان فيلم "ميرامار" الذي عرض عام 1968، وتطرق لبعض الأخطاء والتجاوزات من رجال الثورة عرض الفيلم بدون حذف أو تدخل رقابي.

 

السادات والسينما السياسية.. تشويه عهد ناصر

بعد رحيل ناصر وبداية حقبة زمنية جديدة، أخذت السينما اتجاها جديدا وهو النقد المباشر لما جرى خلال حكم عبدالناصر، بل ووصلت الأمور إلى تقديم أفلاما سعت لتشويه المرحلة برمتها، وركزت الأفلام السياسية على الاعتقالات والفساد والهزيمة وغيرها من الأمور السلبية، ومن أبرز هذه الأفلام "الكرنك" و"إحنا بتوع الأتوبيس" و"وراء الشمس" وأسياد وعبيد" و"شاهد إثبات"، وجميعها أفلام سياسية ساهمت في تشويه صورة نظام عبدالناصر، ولم يعترض النظام الحاكم حينها على هذه الأفلام، بل استغلها الرئيس الراحل أنور السادات ليظهر أمام المجتمع راعيا للحريات ورافضا لما كان يجري قبل توليه الحكم، ومحاولة الترويج على أن النظام الجديد جاء بأفكار جديدة تختلف عمن سبقوه واستغل السينما في الترويج لذلك من خلال عدة أفلام أبرزها "حتى لا يطير الدخان".

عهد مبارك الأكثر تقديما للأفلام السياسية 

بدأت السينما في الثمانينات والتسعينات وتحديدا مع تولي الرئيس محمد حسني مبارك مقاليد الحكم فى اتجاه جديد تماما، وهو إنصاف فاروق وعصره، بل وزاد الأمر إلى الترويج لأفكار من نوعية أن الثورة ورجالها ظلموا البشاوات وشوهوا فاروق عن عمد، ومن أبرز الأفلام السياسية التي قدمت في تلك المرحلة "قانون إيكا" و"إعدام قاضي" و"ليل وقضبان"، ووصل الأمر خلال هذه الأفلام للتجني على عبدالناصر نفسه، ثم فى نهاية الثمانينات قدمت السينما أفلام "ملف سامية شعراوي" و"الشطار" في بداية التسعينات، ليعود المخرج محمد فاضل في الألفية الجديدة ويقدم فيلم "ناصر 56" في محاولة منه لمواجهة ما تم تقديمه من أعمال سعت لتشويه الرجل.

ثم انتقلت السينما لسياق جديد من خلال تقديم فيلم "أيام السادات" الذي روى قصة الرئيس الراحل أنور السادات، وغيرها من الأفلام التي تم تصنيفها كأفلام سياسية، ولكنها لم تكن ملفته للانتباه، ولم تحقق المرجو منها.

وقدمت السينما فى عهد مبارك الكثير من الأفلام السياسية منها "التحويلة" و"اللعب مع الكبار" و"طيور الظلام" و"الواد محروس بتاع الوزير" و"بخيت وعديلة" بأجزائه المختلفة، و"هدى ومعالي الوزير" و"على من نطلق الرصاص" و"عمارة يعقوبيان" و"أبناء وقتلة" و"عيش الغراب"، و"الإرهابي" وغيرها الكثير، ليعد عهد مبارك الأكثر تقديما للأفلام السياسية نظرا لطول مدة حكمه، والأكثر جدلا بين صناع السينما والرقابة أيضا.

ثورة 25 يناير.. بدء الابتعاد عن الأفلام السياسة

وبعد رحيل مبارك بعد 18 يوما من اندلاع ثورة 25 يناير 2011، ابتعدت السينما تماما عن تقديم الأفلام السياسية، ولم تقدم سوى أفلام محدودة هى "اشتباك" و"الميدان" و"الشتا اللي فات" و"فرض وغطا" و"موقعة الجمل" و"نوارة" و"بعد الموقعة" ولكنها جميعا أفلام لم تنقل الواقع وتم  وصفها بأنها أفلام برؤية صناعها فقط، إضافة إلى الفيلم الممنوع من العرض "18 يوم".

المخرج الراحل نادر جلال قال في أحد حواراته عن الأفلام التي قدمت حكم فاروق وثورة يوليو: "لم ننفي عن العهد الملكي تهم الفساد والمحسوبية والخيانة، وبالفعل هي أفكار تربينا عليها ونحن جيل الثورة، لكننا أيضا نقول أن هذا العهد لم يكن فاسدا على  طول الخط بدليل أن فاروق كان حبيب الشعب والجيش معا، لكن الظروف المحيطة به لم تساعده"، مشيرا إلى أن قضية الأسلحة الفاسدة كانت أول من وضع حاجزا بين فاروق وشعبه وجيشه، وكانت نقطة التحول في العلاقة بينهم. 

الديك: ثورة يوليو كانت سببًا رئيسيًا في تحرر السينما من كل القيود

الكاتب الكبير بشير الديك قال في تصريحات خاصة لـ"الرئيس نيوز" إن ثورة يوليو كانت سببًا رئيسيًا في تحرر السينما من كل القيود، والاتجاه لتقديم أعمال سينمائية سياسية دون أى محاذير أو معارضة، موضحا أن مجموعة الضباط الأحرار كانت تدعم السينما كثيرا بهدف تجميل وتحسين صورة الثورة، وتشويه حكم الملك فاروق.

 وأوضح أن هذا الأمر فتح سقف الحريات وأعطى الفرصة للمبدعين فى تقديم أعمال جريئة لم ولن تقدم في أي عصور أخرى، مشيرا إلى أن الفيلم السياسي لم يعد موجودا بمعناه المباشر لعدة أسباب منها عدم تطلع الجمهور لهذه النوعية من الأعمال وعدم وجود رغبة في صدام مع الرقابة أو الدولة.

رمزي: الفيلم السياسي يجب أن يكون مؤثرًا ومقنعًا وينقل أحداثًا حقيقية

الكاتب والناقد الكبير كمال رمزي يرى أنه إذا لم يتمكن الكاتب والمخرج من تحليل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع إلى مشاعر حقيقية وأحاسيس على الشاشة، فلا داعي لتقديم هذا العمل.

وأضاف لـ"الرئيس نيوز" أن الفيلم السياسي يجب أن يكون مؤثرًا ومقنعًا وينقل أحداثًا حقيقية، مؤكدًا أن السينما مؤخرًا لم تقدم عملًا سياسيًا قادر على الإقناع فجميع الأفلام التي يتم تصنيفها كأفلام سياسية منذ 20 عامًا لم تكن على قدر المستوى، ولذلك فإنها لن تعيش، بعكس الأعمال التي قدمت في الستينات وحتى الثمانينات.

وقال رمزي: "ما يزعجني بشكل شخصي أن الرقابة فى العصر الحالى أصبحت أكثر انفتاحا وتفهما، لكن للأسف صناع السينما أنفسهم غير قادرين على دخول إطار الأفلام السياسية متخوفين من الصدام مع الدولة".

وأكد أن الأزمة بعض صناع الأفلام يريدون توصيل رسائلهم الخاصة وتوجهاتهم الشخصية دون تقديم معالجة واقعية ترصد الإيجابيات والسلبيات، بخلاف ما كان يحدث في الماضي فالمؤلف والمخرج كانوا ينقلون الواقع بشكل دقيق حتى لو تعارض ذلك مع أيدلوجيتهم الخاصة.

 

ads
Advertisements
ads
ads
ads