الخميس 03 ديسمبر 2020 الموافق 18 ربيع الثاني 1442
رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements

طوبة وسيجار وثورة.. قصة أول لقاء بين هيكل وجمال حمدان

الإثنين 17/فبراير/2020 - 02:48 م
الرئيس نيوز
محمد حسن
طباعة
- الصحفي أخرج عالم الجغرافيا من عزلته إلى فندق بالدقي.. والأخير سأله: لماذا لا تقود الشعب في ثورة؟
- "حمدان" ذهب إلى "هيكل" بنسخة من "شخصية مصر" كتب عليها: إلى أهم كاتب سياسي في العالم

4 سنوات مرت على وفاة محمد حسنين هيكل، أحد أبرز الصحفيين في الوطن العربي والعالم في النصف الثاني من القرن العشرين، والذي رحل في مثل هذا اليوم، 16 فبراير، عام 2016.
تجربة ثرية وناجحة في عالم الصحافة خاضها "الأستاذ" من أربعينيات القرن الماضي، التقى خلالها العديد من الشخصيات البارزة في السياسة والفن والفكر، وأجرى حوارات صحفية مع ملوك ورؤساء وعلماء، لكن ثمة شخص ظل "هيكل" متلهفا لمقابلته رغم أن المسافة بينهما كيلومترات محدودة.
نتحدث عن جمال حمدان، عالم الجغرافيا الراحل، ومؤلف الكتاب الموسوعي "شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان"، والذي كان معتزلا الحياة العامة منذ أواخر الستينيات حتى وفاته الغامضة في بدايات التسعينيات.
قصة المقابلة الأولى بين الصحفي الشهير وعالم الجغرافيا، والتي حدثت في أوائل التسعينيات، كشفها الكاتب الصحفي عبد الله السناوي في كتابه "أحدايث برقاش.. هيكل بلا حواجز"، والذي صدر في العام 2017 عن دار "الشروق".
قرأ "هيكل" مؤلفات جمال حمدان قبل أن يقابله، واستمع إلى قصص عن عزلته المشددة، وفي جلسة له مع صديقه الكاتب الراحل مصطفى نبيل، رئيس تحرير مجلة الهلال سابقا، لمعغت فكرة المقابلة بين الرجلين.
يروي عبد الله السناوي نقلا عن "هيكل": «قال مصطفى: جمال يريد أن يراك.. ولم أكن فى حاجة إلى تفكير فأنا كنت أتطلع بدورى إلى رؤيته».
تحدد موعد بوساطة مصطفى نبيل، وفي التوقيت المحدد كان الاثنان أمام شقة جمال حمدان في حي الدقي، وكان لا بد من اتباع أسلوب متفق عليه لكي يفتح لهما عالم الجغرافيا.
أخذ مصطفى نبيل يطرق باب الشقة لكن لا رد، فراح "هيكل" يكرر الطرقات على الباب دون جدوى، فاقترح "نبيل" أن يعودا فى يوم آخر.
هنا رفض هيكل المغادرة، "فقد كان مهيأ تماما للقاء تطلع إليه مع رجل بدا أمامه عبقريا وغامضا. الصحفى فيه تحرك على نحو لم يكن ممكنا معه أى انتظار لموعد جديد"، 
رغم أسلوب حياته الأرستقراطي، وتصرفاته شديدة التعقل، أقدم "هيكل" على تصرف بدا غريبا على الرجل، إذ خرج إلى الشارع والتقط حجرا صغيرا قذفه على شرفة شقة جمال حمدان.
يقول "السناوي" الذي سمع هذه التفاصيل من مصطفى نبيل، إنه عندما سأهل "هيكل": "هل قذفت حجرا على شرفة شقة جمال حمدان؟!"، ضحك وترك رواية تفاصيل ما حدث لـ"نبيل".
بعد فترة، فتح جمال حمدان الباب. يقول "هيكل": "رأيته مرتديا روب أحمر فوق ملابس البيت. كان الرجل يعد الطعام لنفسه فى مطبخه وغرفة الاستقبال لم تخضع لعناية منذ فترة".
لم يعجب "هيكل" منظر الشقة وعزلة "حمدان"، فسأله: "لماذا كل هذا وإسهاماتك مراجع كبرى للباحثين والمثقفين والمعنيين بالشأن العام.. لماذا تفعل ذلك بنفسك وأنت الآن مؤثر لحدود لا تتصورها فى التفكير العام؟".
طلب "هيكل" من "حمدان" الانتقال إلى فندق شهير بالدقي كي يتسنى لهم الحديث بأريحية، وبعد أن جلس الثلاثة بادر عالم الجغرافيا، الصحفي الشهير قائلا: "إنك تتصرف كلورد إنجليزى رغم صداقتك لجمال عبدالناصر؟"، وأخذ يشير إلى سيجار "هيكل" الشهير في يده.
أعطى "هيكل" سيجارا لـ"حمدان" الذي أخذ ينفث الدخان في الهواء، وهو ينظر إلى النيل أمامه، وجرى الحوار الذي كان منتظرا بين الرجلين.
تطرق الحديث إلى وضع مصرآنذاك في التسعينيات، والسلام مع إسرائيل، وحركة التاريخ التي "تنزل إلى أسفل" بتعبير عالم الجغرافيا باغت جمال حمدان "هيكل" سائلا: "كيف تسكت يا أستاذ هيكل على ما يجرى فى مصر؟"، رد الأخير: "وماذا تريد أن أفعل؟".
قال "حمدان" لـ"هيكل": "لا تقل لى ما تردده أنك مجرد كاتب صحفى، فهذا غير صحيح، أنت زعيم سياسى يسلم بزعامته الكثيرون، فكيف لا تقود الشعب فى ثورة لإسقاط المعاهدة المصرية الإسرائيلية؟".
راح عالم الجغرافيا يعدد لهيكل مزاياه التي تؤهله لما يطلبه منه: "إنك تتمتع بالثقة وبميزات لا يتمتع بها سواك، ولديك تجارب ومعرفة عميقة بالمسرح الدولى والأوضاع المحلية، عادة لا يتقن الحديث من يحترف الكتابة، ولكنك تتقن بالوقت نفسه الكتابة الراقية والحديث المقنع، وعادة لا يعرف التفاصيل من هو غارق فى الكليات، لكنك تجمع بين المعرفة الدقيقة بالتفاصيل والكليات معا، وعادة لا يعرف الفيلسوف المسائل العملية ولا يتقنها، وأنت تعرف الفلسفة ولديك قدرة عملية كبيرة، وعادة ما يكون المفكر السياسى غير محترف السياسة وممارساتها، لكنك مفكر سياسى فى ذات الوقت".
رد "هيكل" أنه جاء إلى هنا ليسمع رأيه كمفكر وجغرافي كبير في تدهور موقف مصر السياسي، ثم اتفقا على لقاء آخر جرى في مكتب الصحفي بالجيزة.
في تلك المرة، خرج "حمدان" من عزلته وذهل إلى "هيكل" وفي يده نسخة من موسوعة "شخصية مصر"، وعليها كتب هذا الإهداء لـ"هيكل": "إلى أهم كاتب سياسى فى العالم وأعظم مفكر سياسى أنجبته مصر"، فرد الأخير: "يا جمال هذه مبالغة".
ads
Advertisements
ads
ads
ads
ads