الأربعاء 30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements

مذكرات جودة عبد الخالق (3): أخطأت في طريقة عرض "محشي لسان العصفور"

الأحد 16/فبراير/2020 - 11:34 م
الرئيس نيوز
محمد حسن
طباعة
Advertisements
- تجار الأرز هددوني بالإضراب فقلت لهم: لدينا زنازين كافية في وادي النطرون والقناطر
- توريد القمح "على النُقرة" وراء أزمة 2016.. وأرسلت مذكرة للرئيس السيسي تنبأت فيها بما حدث
- نوّة الشتاء كانت أحد أسباب طوابير أنابيب البوتاجاز.. وصهر علاء مبارك والإخوان أبرز المستفيدين


"بخلفية الثوري القادم من ميدان التحرير"، وافق الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد، والمفكر اليساري، على قبول منصب وزير التضامن والعدالة الاجتماعية بعد أيام من تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك إثر ثورة 25 يناير.

18 شهرًا قضاها "عبد الخالق" في أربع حكومات متتالية، في فترة حكم المجلس العسكري، لكنه يعتبرها أعواما بمعيار الضغوط والتجارب، إذ انتقل من صخب الميدان وفورانه إلى دهاليز وتعقيدات الدولاب الحكومي وفي إحدى الوزارات الأقرب لمعيشة المواطن اليومية.
تلك التجربة التي خاضها الاقتصادي اليساري سجلها في كتاب "من الميدان إلى الديوان.. مذكرات وزير في زمن الثورة"، والصادر حديثًا عن دار الشروق، ويروي فيه بعد مقدمة تناولت سيرته السياسية والفكرية، تفاصيل الأزمات التي تعامل معها وكيف حاول تطبيق أفكار الأستاذ الجامعي المعارض في الملفات الوزارية.

"الرئيس نيوز" يعرض "المذكرات الوزارية" للاقتصادي اليساري البارز، على عدة حلقات، لوضع القارئ أمام رحلته كموظف عام بروح مفكر ثوري قادم من الميدان إلى الديوان.

في الربع الأول من عام 2012، خاض جودة عبد الخالق، الذي أصبح آنذاك ضمن حكومة كمال الجنزوري (الثانية)، معركة مع تجار الأرز، على خلفية أزمة ارتفاع سعره في مارس وأبريل من ذلك العام.

كانت الأزمة تقع في صلب عمل "عبد الخالق" الذي كان يشغل منصب وزير التموين، وكان عليه التعامل مع الأمر في ظل ظروف حساسة اقتصاديا وأمنيا، فسارع للتواصل مع أطراف الأزمة كما اعتاد على حل مثل هذه المشكلات.

يروي: "طلبت السيد رجب شحاتة رئيس شعبة الأرز باتحاد الصناعات لمقابلتي. شرحت له وضع الوزارة فيما يتعلق بالأرز، موضحا أن الوزارة لديها ميزانية محدودة لتوفير السلع الأساسية لمحدودي الدخل حاملي بطاقات التموين. وكنت حريصا على أن أقول له أنني لست ضد القطاع الخاص أو التجار، وأنني معهم تماما في أن يحققوا أرباحا من نشاطهم، بشرط أن تكون أرباحا معقولة ولا تتضمن استغلالا للمستهلك".

كان "جودة" يدرك أن المعركة لن تُحسم من مبكرا، إذ بادره رئيس الشعبة قائلا في عبارة متوقعة: "السوق عرض وطلب، ومعاليك سيد العارفين"، فرد عليه الوزير: "إن عضة السوق أشد من عضة الثعبان".

تعبر هذه العبارة الأخيرة عن جزء من فهم الاقتصادي اليساري لقوانين السوق، فمع رفضه لإعلان التسعيرة الجبرية التي رآها غير مجدية في ظل وضع أمني متدهور، فإنه لم يكن يرضى بأن يترك حبل السوق على الغارب للتجار.

سريعا، طلب الوزير من مساعديه تعديل نظام مناقصات الأرز بما يقلل احتمالات المضاربة، ويحقق استقرارا أكبر للسعر، ويجعل السوق مفتوحا أمام القطاعين العام والخاص.

وبناء على ذلك جرت تعديلات، تضمنت أن تكون المناقصات لمدة 3 أشهر بدلا من شهر واحد لخلق استقرار في الأسعار، ومنح هيئة السلع الحق في رفض أي مناقصة غير مناسبة، وشراء الهيئة نفسها كميات من الأرز الشعير من الفلاحين مباشرة لتأمين الاحتياطي الاستراتيجي.

يقول الدكتور "جودة": "عندما أعلنت في وسائل الإعلام وفي المؤتمرات الصحفية واللقاءات التفزيونية عن النظام الجديد لتداول الأرز، أخبرني مسئول بالوزارة أن تجار الأرز سيقومون بإضراب ويغلقون مضارب الأرز المملوكة لهم".

هنا يعلق الوزير الأسبق قائلا: "كان ذلك على ما يبدو محاولة للضغط، ولكنه في نفس الوقت يبدو تعبيرا عن رغبة التجار ومحتكري توريد الأرز في إبعاد الوزارة عن الساحة لتكون مرتعا يلعبون فيه على هواهم. كما كان في نفس الوقت محاولة منهم لاختبار عزم الوزير الجديد وقدرته على توجيه دفة الأمر بما يحقق مصالحهم، فقد اعتادوا على عدم التدخل في ضبط السوق استنادا إلى مقولة الاقتصاد الحر".

تحرك "عبد الخالق" مجددا وهاتف رئيس شعبة الأرز، رجب شحاتة على، ليتأكد من صحة ما بلغه عن نية التجار الإضراب وإغلاق مضاربهم، فكان رد "شحاتة" أن الخبر صحيح، متهما وزارة التموين بالتضيق عليهم من خلال تعديل المناقصات ودخول هيئة السلع لشراء الأرز من الفلاحين.

من ناحيته، رفع "عبد الخالق" حدة المواجهة أيضا، إذ بدا له أن المعركة بدأت فعليا، فقال لرئيس شعبة الأرز: "عليكم أن تعرفوا جيدا أن تصرفكم بهذه الطريقة يهدد الأمن الغذائي للمواطنين وبالتالي الأمن القومي للبلاد. إن الإضراب في مثل هذه الظروف معناه السجن"، ثم أضاف: "وأؤكد لكم أنه توجد زنازين كافية للرجال في سجن وادي النطرون وللنساء في سجن القناطر".

يشير الدكتور "جودة" إلى أنه لم تمر على المكالمة ساعة، حتى اتصل به رئيس الشعبة رجب شحاتة وأكد له أن موضوع الإضراب لم يكن سوى مجرد مناقشات، في إشارة إلى تراجع التجار سريعا عن خطوتهم.

ضمن تحركاته لحل أزمة غلاء وندرة الأرز في السوق، فكر "جودة" في إشراك المواطن في المعركة، فقدم اقتراحا بسيطا للغاية لربات البيوت، بأن عليهم أن يجربوا بدائل للأرز مثل لسان العصفور في عمل أكلة "المحشي".

يقول الوزير الأسبق: "كان الهدف من طرح هذه الفكرة هو جعل المواطن طرفا إيجابيا في الصراع الجاري بين الوزارة وتجار الأرز، حتى وإن تحمل بعض التضحيات. ولكن للأسف فاتهم مغزى الاقتراح، وأصبح الموضوع مجالا للتندر في الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي".

يعترف جودة عبد الخالق هنا بأنه أخطأ عندما عرض الاقتراح في هذا السياق. يوضح: "ربما أكون قد بالغت في تقدير مدى استعداد المواطنين للعب دور إيجابي في مساندة الوزارة في الدفاع عن حقوقهم ضد استغلال تجار الأرز. ثم إنه كان يجب التأكد من أن مكرونة لسان العصفور أرخص من الأرز".

لكنه يعود ويؤكد أن الاقتراح في كل الأحوال ممكن عمليا، ويجب النظر إليه من قبيل الاجتهاد والتفكير عن حلول للمشكلات "خارج الصندوق"، إذ يرى أن فكرة عمل المحشي بلسان العصفور بدلا من الأرز واعدة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الدراسة الفنية والاقتصادية. ويُشار هنا إلى أن الوزير أعاد طرح الفكرة على المواطنين في ديمسبر 2016 خلال لقاء تلفزيوني.

ننتقل مع وزير التموين الأسبق إلى ملف آخر في غاية الأهمية يقع ضمن نطاق وزاته، وهو ملف القمح، إذ يشرح كيف بدأ في تحفيز الفلاحين على إنتاج القمح بأن تشتري منهم الحكومة محصولهم بسعر أعلى من السعر العالمي.

وفي سياق شرحه، يشير "عبد الخالق" إلى أنه من الإجراءات الاحترازية في الملف، وقف استيراد القمح من الخارج طوال موسم توريد القمح المحلي، وذلك حتى لا يقوم التجار باستتيراد قمح أرخص وتوريده على أنه قمح محلي، والاستفادة من فرق السعر.

ثم يدخل في تفاصيل أكثر، ويشرح أنه حظر كذلك توريد القمح على "النُقرة"، وهي فتحة المطحن التي يدخل منها القمح تمهيدا لطحنه، لأن ذلك يحول دون التأكد من أن القمح المورد هو بالفعل قمح محلي من إنتاج الموسم الحالي- وليس قمحا مستوردا أو قمحا محليا من إنتاج الموسم السابق، أو خليط منهما.

ويسحب "عبد الخالق" كلامه هذا على أزمة فساد القمح الشهيرة في 2016، والتي عصفت بوزير التموين وقتها خالد حنفي، لافتا إلى أن ، فإن الفساد وقتها نتج عن تجاهل هذه الشروط، إذ "سمحت وزارة التموين بالتوريد على النقرة، مع استمرار استيراد القمح من الخارج في نفس الوقت"، مشتشهدا بما أثبتته تقرير لجنة تقصي الحقائق البرلمانية بمجلس الشعب آنذاك.

ويكشف جودة عبد الخالق عن أنه قدم مذكرة بتاريخ 19/ 5/ 2015 إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة فساد القمح الأصغر في موسم 2015، قدّر فيها حجم فساد القمح في ذلك الموسم، واختتمها بأن الفساد سيكون أكبر كثيرا في عام 2016، مُعقِّبا: "وهذا ما حدث بالفعل للأسف".

ملف ثالث يتعلق بالمعيشة اليومية للمصريين تكشف لنا مذكرات الوزير الأسبق بعض تفاصيله تحت عنوان "التصدي لفوضى سوق البوتاجاز"، إذ يعترف صراحة أن ما يقوله في مدرجات الجامعة لطلابه عن السوق وقانون العرض والطلب شيء، وما يحدث على أرض الواقع بالنسبة لسلع البوتاجاز شيء آخر تماما.

ويشرح الوزير الأسبق أن "البوتاجاز الذي يخرج من الحقول المحلية يصب مباشرة في الشسبكة القومية للبوتاجاز. أما البوتاجاز المستورد، فإن السفينة عندما تدخل ميناء الدخيلة تقوم بتوصيل فتحة خزاناتها بطرف شبكة البوتاجاز المصرية على الرصيف، وتقوم بتفريغ الشحنة في الشبكة مباشرة".

هنا نتعرف على تفصيلة صغيرة يكون لها أثر كبير في أزمات رأيناها كثيرا للبوتاجاز. يستكمل "عبد الخالق": "إذا حدثت نوة في فصل الشتاء، تعجز السفن عن دخول الميناء لتفريغ الشحنة بسبب الظروف الجوية السيئة. وعندئذ فإن البوتاجاز يجف في الشبكة، وتتوقف محطات التعبئة، وتطول طوابير البوتاجاز أمام المستودعات ومنافذ التوزيع، وتنشط السوق السوداء".

ويلفت الوزير الأسبق إلى أن أكبر المستفيدين من هذه الأزمات آنذاك كان مجدي راسخ، صهر علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك، وجماعة الإخوان المسلمين، موضحا أن شركة "راسخ" تسيطر على توزيع البوتاجاز في محيط القاهرة الكبرى، بينما كان الإخوان يستخدمون شبكة الزوايا والمساجد التابعة لهم في مثل هذه الأزمات.
Advertisements
ads
ads
ads