تكريم بلا ضغوط.. خبير تربوي يطالب بحماية ميار من التنمر وتوقعات التفوق المستمر
بعد الإنجاز الذي حققته الطفلة ميار محمد عثمان بفوزها في مسابقة تحدي القراءة العربي 2026، وتفاعل المصريين مع نجاحها، برزت دعوات تربوية إلى التعامل مع هذا الإنجاز بقدر كبير من التقدير والوعي، حتى لا يتحول الاحتفاء المستحق إلى عبء نفسي وضغط يفوق قدرة طفلة في هذا العمر على تحمله. فبين التكريم والظهور الإعلامي واللقاءات المتعددة، تظل هناك حاجة إلى الحفاظ على حق ميار في أن تعيش طفولتها بصورة طبيعية، وأن تستمتع بالقراءة والتعلم بعيدًا عن التوقعات المبالغ فيها.
وفي هذا السياق، طالب الدكتور تامر شوقي، الخبير التربوي، بضرورة التعامل الإعلامي والجماهيري المتزن مع ميار، مؤكدًا أن الإفراط في الاحتفاء بها من جانب الأفراد والمؤسسات والهيئات قد يفرض عليها ضغوطًا نفسية وصحية، خاصة في ظل صغر سنها وعدم اكتمال نضجها النفسي، وما قد يصاحب الشهرة المفاجئة من اهتمام واسع ومتابعة مستمرة.
وأوضح الخبير التربوي أن الاحتفاء بإنجاز الطفلة أمر مستحق، لكن يجب أن يظل في الحدود التي تدعم موهبتها وتشجعها على مواصلة القراءة، دون أن يتحول إلى مطالبة دائمة بتحقيق المركز الأول أو إثبات التفوق في كل مناسبة، مشيرًا إلى أن هناك 10 أسباب تستدعي الانتباه إلى طبيعة التعامل معها خلال الفترة المقبلة.
لماذا يحذر خبير تربوي من الاحتفاء المبالغ فيه بميار؟
يرتبط السبب الأول بصغر سن الطفلة وعدم اكتمال نضجها النفسي، إذ قد لا تمتلك في هذه المرحلة العمرية الأدوات الكافية للتعامل مع حجم الاهتمام الإعلامي والجماهيري المفاجئ، وهو ما يجعل كثافة الظهور والمتابعة أمرًا يحتاج إلى تنظيم ومراعاة لاحتياجاتها النفسية.
أما السبب الثاني فيتعلق بارتفاع سقف التوقعات بشأن مشاركاتها المقبلة، فقد يؤدي الاحتفاء الكبير بالإنجاز الحالي إلى تكوين صورة ذهنية لدى الجمهور بأنها مطالبة بالحصول على المركز الأول في كل المسابقات والمنافسات والتقييمات القادمة، وهو ما قد يضعها تحت ضغط مستمر لإثبات قدرتها على تكرار النجاح.
ويأتي السبب الثالث مرتبطًا باحتمال عدم تحقيقها المركز الأول في منافسة مستقبلية، إذ إن التعامل مع الفوز الحالي باعتباره معيارًا ثابتًا للنجاح قد يجعل أي نتيجة مختلفة مصدر إحباط للطفلة وأسرتها، رغم أن طبيعة المسابقات والتقييمات تختلف من مرة إلى أخرى، وأن عدم الفوز لا يعني فقدان الموهبة أو تراجع قيمة الإنجاز السابق.
الكمالية والخوف من الفشل.. كيف يتأثر مستقبل ميار الدراسي؟
وحذر الدكتور تامر شوقي من أن المبالغة في الاحتفاء قد تغرس لدى الطفلة نزعة إلى الكمالية، بحيث تشعر بأنها مطالبة بأداء كل مهمة بأعلى مستوى ممكن، حتى لو تجاوزت قدراتها أو لم تكن مرتبطة بمجال موهبتها الأساسي. وتزداد أهمية هذه النقطة مع وجود مقررات دراسية لا تعتمد على اللغة العربية، مثل اللغة الإنجليزية والمواد العلمية، بما قد يضيف أعباء جديدة إذا شعرت بأنها مطالبة بالتفوق في جميع المجالات دون استثناء.
ويتمثل السبب الخامس في احتمال حرمان ميار من ممارسة حياتها الطبيعية كطفلة، نتيجة الاهتمام المفرط بها ومراقبة تصرفاتها وإنجازاتها من جانب الجمهور، إذ تحتاج الطفلة إلى وقت كافٍ للعب واللهو والاستمتاع بالحياة، بعيدًا عن مسؤولية الظهور المستمر أو الحفاظ على الصورة المثالية التي قد يرسمها الآخرون عنها.
أما السبب السادس فيتعلق بكثرة اللقاءات والتكريمات والتصريحات والتفاعل مع الجمهور، إذ قد يؤدي الإفراط في هذه الأنشطة إلى تقليص الوقت الذي تحتاج إليه ميار للراحة والهدوء والخصوصية، وهي احتياجات أساسية لا ينبغي أن تتراجع بسبب الاهتمام الإعلامي بإنجازها.
تقدير الآخرين لا يجب أن يرتبط بالإنجاز فقط
ومن بين المخاوف التي أشار إليها الخبير التربوي، احتمال أن تربط الطفلة تقدير الآخرين لها بقدرتها على تحقيق الإنجازات والتفوق، فتشعر بأن محبتهم واهتمامهم بها مرتبطان باستمرار نجاحها وحصولها على المراكز المتقدمة. وقد يصبح عدم تحقيق إنجاز مماثل في المستقبل سببًا للشعور بفقدان هذا التقدير، بما قد يترك آثارًا نفسية مؤلمة عليها.
وتبرز هنا أهمية الفصل بين قيمة الطفلة بوصفها إنسانة وبين نتائجها في المسابقات، فالتقدير والدعم يجب أن يستمرا بغض النظر عن ترتيبها في أي منافسة لاحقة، كما ينبغي أن تدرك أن الفوز يمثل إنجازًا مهمًا، لكنه ليس الشرط الوحيد لاستحقاق التشجيع والاهتمام.
الظهور الإعلامي قد يؤثر في الدراسة ويزيد مخاطر التنمر
ويأتي السبب الثامن ضمن قائمة التحذيرات، وهو أن الإفراط في الظهور الإعلامي والاحتفاء قد يؤثر في الوقت المخصص للدراسة والمذاكرة والتركيز، خاصة مع تعدد اللقاءات والفعاليات والتكريمات التي قد تشغل جزءًا من يوم الطفلة، بما يستدعي تنظيم مشاركاتها بما لا يتعارض مع التزاماتها التعليمية.
كما لفت الخبير التربوي إلى احتمال تعرض ميار للتنمر، سواء بصورة إلكترونية عبر منصات التواصل الاجتماعي أو بشكل مباشر، من بعض الأشخاص، خاصة مع اتساع نطاق انتشار أخبارها وصورها وزيادة ظهورها أمام الجمهور. ويجعل ذلك من الضروري مراعاة خصوصيتها، والتعامل بحذر مع تداول صورها وتفاصيل حياتها، وعدم تركها عرضة لتعليقات أو تفاعلات قد تسبب لها أذى نفسيًا.
كيف نحافظ على حب ميار للقراءة بعيدًا عن ضغوط الشهرة؟
أما السبب العاشر، فيرتبط بطبيعة الموهبة نفسها، إذ قد تتحول القراءة من مصدر للمتعة والمعرفة إلى وسيلة دائمة لإثبات الذات وإرضاء توقعات الآخرين، إذا شعرت الطفلة بأنها مطالبة باستمرار بتحقيق إنجازات جديدة حتى تحافظ على اهتمام الجمهور بها.
وحذر شوقي من أن هذا التحول قد يفقد ميار الاستمتاع بالقراءة ذاتها، لتصبح الأولوية بالنسبة إليها هي تلبية توقعات المحيطين بها بدلًا من اكتشاف المعرفة والاستمتاع بالكتب والتعلم. ولذلك تبرز أهمية تشجيعها على مواصلة القراءة باعتبارها نشاطًا تحبه، وليس واجبًا مرتبطًا بالحصول على الجوائز أو تحقيق مراكز متقدمة.
خبير تربوي: تكريم ميار مستحق لكن يجب الحفاظ على طفولتها
وأكد الدكتور تامر شوقي أن الدعوة إلى ترشيد الاحتفاء بميار لا تعني حرمانها من التكريم أو التقليل من قيمة الإنجاز الذي حققته في مسابقة تحدي القراءة العربي 2026، بل تستهدف أن يكون التقدير متناسبًا مع عمرها واحتياجاتها النفسية والتعليمية.
وشدد على ضرورة ألا يتحول النجاح إلى ضغط إعلامي ونفسي على الطفلة، أو إلى فرصة يستثمرها البعض بشكل دعائي، مؤكدًا أهمية مراعاة خصوصيتها ومنحها مساحة كافية لممارسة حياتها بصورة طبيعية.
ويظل نجاح ميار مناسبة تستحق الفخر والتشجيع، لكن الحفاظ على موهبتها يتطلب أن يكون الدعم المحيط بها مصدرًا للثقة والتحفيز، لا سببًا للقلق والخوف من الفشل. فالهدف من الاحتفاء الحقيقي ليس مطالبة طفلة بتكرار الإنجاز في كل مرة، وإنما مساعدتها على مواصلة التعلم والقراءة والنمو في بيئة تمنحها التقدير والطمأنينة وحقها الكامل في الطفولة.