السبت 24 أكتوبر 2026 الموافق 13 جمادى الأولى 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

لماذا يعد اتفاق الترسيم البحري بين ليبيا وتركيا انتهاكًا للحقوق السيادية لمصر؟

الرئيس نيوز

استغل وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطي وجوده في إسطنبول للمشاركة في اللجنة الرباعية (المصرية السعودية التركية الباكستانية) وجدد رفض بلاده القاطع لمذكرة التفاهم الخاصة بتحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، الموقعة عام 2019 بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية السابقة برئاسة فايز السراج، معتبرًا أنها "باطلة بطلانًا مطلقًا" ولا تترتب عليها أي آثار قانونية بالنسبة للقاهرة.

جاء ذلك خلال لقاء ثنائي جمع عبد العاطي بنظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة في إسطنبول، على هامش اجتماعات الآلية الرباعية مع الدول الأوروبية. وشدد الوزير على أهمية الالتزام بمبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 عند تعيين المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، بما يحقق العدالة والإنصاف بين الدول.

كما تناول اللقاء مستجدات الأوضاع في ليبيا، حيث أكد عبد العاطي موقف مصر الثابت الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها واستقرارها، إضافة إلى دعم مؤسسات الدولة الليبية بما يحفظ مصالح الشعب الليبي ويلبي تطلعاته.

من جانبه، أبدى الوزير التركي تفهمه للمخاوف المصرية بشأن التطورات الليبية، مؤكدًا أهمية استمرار التشاور والتنسيق والعمل المشترك لدعم جهود الأمن والاستقرار في البلاد. وفي مقابلة مع التلفزيون التركي، شدد عبد العاطي على أن مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 "باطلة بطلانًا مطلقًا" ومعدومة الأثر القانوني، مؤكدًا أن تصديق مجلس النواب الليبي عليها لا يغيّر من وضعها القانوني بالنسبة لمصر ولا يرتب أي التزامات أو آثار قانونية عليها.

أتى ذلك بعد يومين من تأكيد الخارجية في بيان، أن المذكرة تمثل مساسًا واضحًا بالحقوق السيادية المصرية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

كما جددت القاهرة رفضها للمذكرة ولأي إجراءات أو تصرفات تستند إليها وتتعارض مع الحدود البحرية المصرية المعلنة، مؤكدة احتفاظها بحقها في حماية حقوقها السيادية وفقًا للقانون الدولي والتصدي لأي محاولة للمساس بها.

وتعود الأزمة إلى نوفمبر 2019، عندما وقعت تركيا وحكومة الوفاق الليبية السابقة مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية والجرف القاري في شرق البحر المتوسط، بهدف تمهيد الطريق أمام عمليات استكشاف النفط والغاز.

غير أن المذكرة أثارت اعتراضات واسعة من مصر واليونان وقبرص، التي اعتبرت أنها تمس حقوقها السيادية وتتجاهل الواقع الجغرافي للمنطقة، بما في ذلك السواحل والجزر الرئيسية في شرق المتوسط.

اتفاق باطل 

ورسمت المذكرة خطًا بحريًا بين تركيا وليبيا، لكنها أثارت اعتراض اليونان بسبب تجاهل الحقوق البحرية لجزرها، خصوصًا كريت، فيما رفض مجلس النواب الليبي الاتفاق عام 2020، وأصدر قرارًا بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة. وفي أغسطس 2020، وقعت مصر واليونان اتفاقًا لترسيم جزء من حدودهما البحرية، مع السماح باستكمال الترسيم لاحقًا، بينما حدد الاتفاق التركي الليبي خطًا بحريًا لا تسمح بنوده بتعديله وفق إجراءات المراجعة المنصوص عليها فيه.

ويبدأ الخلاف من طريقة رسم الحدود البحرية، إذ حددت مذكرة تركيا وليبيا عام 2019 خطًا بين نقطتين يشمل المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، بينما رسمت مصر واليونان عام 2020 خطًا من 5 نقاط لتحديد جزء من حدودهما الاقتصادية البحرية، مع ترك المجال لاستكمال الترسيم لاحقًا بالتفاوض مع الدول المعنية.

ويتمثل الخلاف الجغرافي الأبرز في احتساب حقوق الجزر اليونانية، خصوصًا كريت، إذ يقوم الترسيم التركي الليبي على اتصال بحري بين البلدين لا يمنح الجزر اليونانية الواقعة بينهما الأثر الذي تطالب به أثينا، بينما يستند الاتفاق المصري اليوناني إلى احتساب حقوق تلك الجزر في تحديد المناطق البحرية، ما يؤدي إلى تداخل المطالبات بشأن أجزاء من شرق المتوسط.

أما الاختلاف القانوني، فيتعلق بإمكانية تعديل الحدود، إذ تسمح اتفاقية مصر واليونان بمراجعة نقطتي البداية والنهاية عند الاتفاق مع دول مجاورة، بينما تمنع المذكرة التركية الليبية تعديل أحكام خط الترسيم وفق إجراءات المراجعة الواردة فيها، وهو ما يجعل التوصل إلى تسوية جديدة يتطلب معالجة الخلاف حول الحدود وحقوق الدول الأخرى.

لم يتوقف الخلاف عند الاتفاقيات البحرية، إذ أصدرت مصر في ديسمبر 2022 القرار الجمهوري رقم 595، الذي حدد حدودها البحرية الغربية في المتوسط، متضمنًا خطًا يمتد شمالًا بمحاذاة خط طول 25 درجة شرقًا، وفق نص القرار المنشور على الجريدة الرسمية.

وفي يونيو 2025، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مذكرة تفاهم مع شركة البترول التركية الحكومية لإجراء دراسات جيولوجية في 4 مناطق بحرية، إلى جانب بحث تنفيذ مسوحات زلزالية بطول 10 آلاف كيلومتر، بهدف دراسة الموارد المحتملة.

وفي سبتمبر 2025، كشفت صحيفة كاثيميريني اليونانية أن سفينة الأبحاث النرويجية “رامفورم هايبريون” أجرت مسوحات زلزالية لصالح مصر قرب حدودها البحرية الغربية، شملت مناطق تطالب بها ليبيا وجزءًا من منطقة بحرية مرتبطة باتفاقات التنقيب مع شركة البترول التركية الحكومية.

عاد الاتفاق إلى الواجهة في 20 أكتوبر، بعدما صوت مجلس النواب الليبي بالإجماع على اعتماده، وألغى قراري رفض المصادقة وقطع العلاقات السياسية مع تركيا، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الليبية عن المتحدث باسم المجلس عبدالله بليحق.

رحبت الخارجية التركية بالتصويت، في بيان على موقعها الرسمي، معتبرة أن المذكرة تحمي مصالح البلدين وفق القانون الدولي، بينما رفضت اليونان القرار، مؤكدة أن الاتفاق يتجاهل الحقوق البحرية لجزرها.

وفي اليوم التالي، أعلنت الخارجية المصرية، في بيان، رفضها القاطع للتصديق، وجددت تمسكها ببطلان المذكرة، معتبرة أنها تمس حقوق مصر السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، ومؤكدة احتفاظها بحق حماية حدودها البحرية المعلنة.

مخاطر على حقوق مصر السيادية

تتركز المخاطر في تعارض المطالبات البحرية التركية الليبية مع اتفاق ترسيم الحدود بين مصر واليونان عام 2020، بسبب الخلاف حول الحقوق البحرية للجزر اليونانية، خصوصًا كريت، ما يثير نزاعًا بشأن المناطق التي يحق لكل دولة استكشاف مواردها الطبيعية واستغلالها.

ويمتد الخلاف إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري لمصر، خصوصًا قرب حدودها الغربية مع ليبيا، حيث تتعارض بعض المطالبات الليبية مع الحدود التي أعلنتها القاهرة عام 2022، ما قد يؤثر في حقوق التنقيب عن النفط والغاز.

وقد يؤدي استمرار هذه المطالبات المتعارضة إلى تعقيد إصدار تراخيص التنقيب وتنفيذ بعض مشروعات الطاقة والربط البحري مع أوروبا.