«ذا أتلانتيك»: فاتورة سياسات ترامب تحاصر الاقتصاد الأمريكي ووعوده تتبخر
تقترب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من اختبار اقتصادي وسياسي بالغ الحساسية، بعدما اصطدمت وعوده بخفض الدين العام وتحقيق التوازن في الموازنة بواقع مالي أكثر تعقيدا، مع اتساع العجز وارتفاع تكاليف الاقتراض واستمرار الضغوط على الأسر الأمريكية. وفي مقال نشرته مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية، حذر الكاتب ديفيد فروم من أن السياسات المالية لترامب لم تحقق الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية، بل دفعت الولايات المتحدة إلى مسار أكثر خطورة على صعيد الديون والاستدامة المالية.
من القضاء على الدين إلى تريليونات إضافية
وعد ترامب خلال حملته الانتخابية بالقضاء على الدين الوطني الأمريكي خلال ولايته، كما تعهد بتحقيق التوازن في الموازنة دون المساس بمزايا الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية. واعتمدت خطته على تحقيق نمو اقتصادي قوي، والاستفادة من عائدات العملات المشفرة، وفرض رسوم جمركية واسعة على الواردات لتوفير إيرادات ضخمة للخزانة.
لكن فروم يرى أن هذه الوعود تجاهلت الحسابات الأساسية للموازنة الأمريكية؛ إذ بلغت واردات السلع الأمريكية نحو 3.3 تريليون دولار في 2024، مقابل عجز فيدرالي بلغ قرابة 1.8 تريليون دولار. وكان تمويل هذا العجز بالكامل عبر الرسوم الجمركية يتطلب فرض تعريفة تبلغ 55% على جميع الواردات، مع افتراض استمرار المستهلكين في الشراء بالمعدلات نفسها رغم ارتفاع الأسعار، وهو افتراض غير واقعي اقتصاديا، وفقًا لـ"ذا أتلانتيك".
عجز يقترب من تريليوني دولار
تكشف الأرقام حجم الفجوة بين الخطاب السياسي والنتائج المالية. فقد اقترب عجز الموازنة الأمريكية في السنة المالية المنتهية في 30 سبتمبر 2026 من تريليوني دولار، بزيادة تقارب 160 مليار دولار مقارنة بآخر سنة كاملة في عهد الرئيس السابق جو بايدن. ويحذر فروم من أن العجز مرشح لمزيد من الارتفاع، بينما قد يصل إجمالي الدين الأمريكي إلى 45 تريليون دولار بحلول 2028، مقابل نحو 35 تريليون دولار عندما تعهد ترامب بالقضاء عليه.
ويعزو الكاتب جانبًا أساسيًا من هذه الضغوط إلى التشريع الضريبي الذي أقره ترامب والكونجرس الجمهوري عام 2025، والذي مدد التخفيضات الضريبية السابقة وأضاف تخفيضات أخرى، بما قد يقلص الإيرادات الحكومية بنحو 4.5 تريليون دولار على مدى العقد المقبل. وتقدر التكلفة المباشرة الصافية للخطط المالية بنحو 3.4 تريليون دولار، ترتفع إلى 4.1 تريليون دولار عند احتساب تكاليف خدمة الدين، وفقًا لـ"ذا أتلانتيك".
ماسك والتقشف.. مليارات التوفير تتحول إلى عبء
راهن ترامب على إيلون ماسك لخفض الإنفاق الحكومي عبر إدارة الكفاءة الحكومية، بعدما تعهد الملياردير بتوفير تريليوني دولار من النفقات المهدرة. لكن تقليص موظفي مصلحة الضرائب الأمريكية، ومن بينهم العاملون في التدقيق والتحصيل، قد يضعف قدرة الحكومة على جمع الإيرادات المستحقة.
ويقدر مختبر الميزانية في جامعة ييل أن تراجع جهود الإنفاذ الضريبي قد يكلف الخزانة الأمريكية أكثر من 860 مليار دولار من الإيرادات خلال عشر سنوات. ويثير ذلك مفارقة مالية، إذ تسعى الإدارة إلى خفض الإنفاق، بينما قد تؤدي بعض إجراءاتها إلى تقليص الموارد الحكومية بدرجة تفوق الوفورات المحققة، وفقًا لـ"ذا أتلانتيك".
حرب إيران تضاعف فاتورة واشنطن
تواجه الموازنة الأمريكية ضغوطًا إضافية بفعل الإنفاق العسكري المرتبط بالحرب مع إيران. وقدرت الإدارة تكلفة العمليات العسكرية بنحو 45 مليار دولار، بينما طلب البنتاجون 200 مليار دولار إضافية لتلبية احتياجات مرتبطة بالحرب. كما تضمن طلب موازنة الدفاع لعام 2027 تخصيص 1.5 تريليون دولار للجيش، بزيادة 44% على مستويات ما قبل الحرب، وفقًا لـ"ذا أتلانتيك".
وتتزامن هذه الالتزامات مع تحذيرات بشأن مستقبل الضمان الاجتماعي، بعدما أصبح الصندوق الاستئماني للبرنامج متوقعًا أن يستنفد موارده بحلول 2032، بما يفرض لاحقًا خيارات صعبة بين زيادة الضرائب أو خفض المزايا.
الناخب الأمريكي يدفع الثمن
تتجاوز التداعيات الحسابات الحكومية إلى الحياة اليومية للأمريكيين. فقد سجل التضخم السنوي 3.7% في سبتمبر 2026، بينما ارتفعت أسعار المستهلكين 5.4% منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وصعد متوسط سعر البنزين إلى 4.28 دولار للجالون، بزيادة 38% مقارنة بمستواه عند توليه المنصب، وفقًا لموقع "فاكت تشيك دوت أورج".
وتضع هذه المؤشرات وعود ترامب بخفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية أمام اختبار صعب قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر. وبينما يروج الرئيس للنمو الاقتصادي ومكاسب أسواق الأسهم، تظل الديون والعجز وتكاليف المعيشة تحديات مباشرة أمام إدارته، وتكشف أن تحقيق مكاسب سياسية سريعة لا يضمن بناء وضع مالي مستدام للاقتصاد الأمريكي.