الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 الموافق 09 جمادى الأولى 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
مقالات

النائب د. محمد فؤاد يكتب: الإدارة باللقطة.. حين يصبح الإخفاق إنجازًا وطنيًا

د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

في إدارة الاقتصاد، هناك فارق بين أن تحقق إنجازًا وأن تعلن عنه. الأول يحتاج إلى نتائج قابلة للقياس، والثاني قد لا يحتاج أكثر من عنوان جذاب وصورة وتصريح متفائل.

وهنا مشكلة «الإدارة باللقطة»؛ أن تتحول السياسة العامة إلى أخبار إيجابية متلاحقة، والأهداف التي لم تتحقق إلى وعود جديدة، دون مراجعة أو محاسبة.

أكثر ما استوقفني في برنامج «منتدى مصر 2026» أن جلسة الطاقة حملت العنوان الأقل تواضعًا: «مسيرة الطاقة المصرية.. إنجازات وطنية وآفاق المستقبل». وبينما تناقش جلسات أخرى تحديات التعليم والصحة والاستثمار والدين، اختار القائمون على الطاقة لافتة «الإنجازات الوطنية» لقطاع يحتاج قبل غيره إلى المكاشفة.

يقول المثل الشعبي: «اللي على راسه بطحة يحسس عليها». ويبدو أن القائمين على الملف قرروا وضع لافتة «إنجازات وطنية» فوق البطحة نفسها!

فأي إنجازات نتحدث عنها وقد تراجع إنتاج الغاز من 4.8 مليار قدم مكعبة يوميًا في يونيو 2024 إلى 3.6 مليار في يوليو 2026، بانخفاض 25%؟ وكيف نحتفي بينما تحولنا من تصدير الفائض إلى الاستيراد لتغطية الاحتياجات؟

لفهم المفارقة، نعود إلى أغسطس 2024، حين تصاعدت أخبار الاكتشافات وتصريحات التعافي، وأعلن رئيس الوزراء خطة لاستعادة مستويات الإنتاج السابقة اعتبارًا من 2025، ثم تحدث في سبتمبر عن عودة الإنتاج الطبيعي بحلول صيف 2025.

انتهى الصيف دون تحقق الوعد. وفي أغسطس 2025 طرح رئيس الوزراء مستهدفًا جديدًا: إنتاج 6.6 مليار قدم مكعبة يوميًا بحلول 2027.

انتقل موعد التعافي من 2025 إلى 2027، بينما واصل الإنتاج تراجعه. لا حساب على الوعد الأول، ولا تفسير واضح لإخفاقه. فقط موعد جديد وخبر جديد.

وفي أكتوبر 2024، أعلن وزير البترول أن عجلة تنمية الإنتاج بدأت في الدوران، وأن 2025 سيشهد تسارعًا في الإنتاج وتعويض التناقص الطبيعي وخفض فاتورة الاستيراد. لكن المؤشرات سارت عكس ذلك.

ثم عُرضت في مارس 2025 خطة الوزارة لاستعادة الإنتاج والتوازن. وبعد أكثر من عام ونصف، لم يتوقف التراجع ولم يتحقق التعافي الموعود. واستمرت الأخبار التي توحي بأن الأمور تسير على ما يرام.

ولا يستطيع رئيس الوزراء اعتبار إخفاق خطة البترول شأنًا يخص الوزير وحده. فقد تبنى وعود استعادة الإنتاج وأعلن مواعيدها بنفسه، ثم طرح مستهدفات جديدة بعد انقضاء المواعيد السابقة دون تحقيقها. وبذلك أصبحت المسؤولية مشتركة، ليس بحكم التضامن الوزاري فقط، بل لأن مصداقية الحكومة ارتبطت بهذه الوعود.

فإذا كان رئيس الوزراء قد تصدر مشهد الإعلان عن التعافي، فمن غير المقبول أن يغيب عن مشهد المحاسبة على عدم تحققه.

والأرقام لا تسمح بهذه المسافة بين الخطاب والواقع. فقد بلغ إنتاج الغاز 7.12 مليار قدم مكعبة يوميًا عام 2021، قبل أن يفقد قرابة نصف مستواه بحلول 2026. وتحولت تجارة الطاقة من فائض يقارب 8 مليارات دولار في 2022 إلى عجز يناهز 8.6 مليار في 2025؛ أي تحول سلبي بنحو 16.6 مليار دولار.

وتبلغ فاتورة الطاقة بالنقد الأجنبي نحو 42 مليار دولار سنويًا، وفق التقديرات المعروضة، منها قرابة 33 مليارًا واردات غاز وخام ومنتجات بترولية، والباقي مستحقات للشركاء الأجانب. وهي تعادل نحو سبعة أمثال إيرادات قناة السويس البالغة 6 مليارات دولار، وأكثر من ضعفي إيرادات السياحة البالغة 16.7 مليار، وتقترب من تحويلات المصريين بالخارج البالغة 41.5 مليار دولار.

هذه ليست أزمة وزارة منفردة؛ إنها ضغوط على النقد الأجنبي والموازنة والكهرباء والصناعة والأسعار، يتحمل الاقتصاد كله تكلفتها.

ورغم ذلك تتوالى البيانات: اكتشاف جديد، بئر جديدة، اتفاقية جديدة، اجتماع مع الشركاء، واستثمارات مرتقبة. حتى أصبح النشاط الإعلامي أوضح من اتجاه الإنتاج الفعلي.

والمشكلة ليست في الإعلان عن الاكتشافات أو الاتفاقيات؛ فهذه أخبار تستحق المتابعة، لكنها ليست بديلًا عن قياس صافي الزيادة في الإنتاج. فالبئر الجديدة قد تعوض جزءًا من التناقص في حقل قائم دون أن تضيف إلى إجمالي المعروض. والاتفاقية الموقعة اليوم قد تحتاج سنوات قبل أن تنتج غازًا يمكن ضخه في الشبكة. لذلك يصبح الاحتفاء بكل خطوة منفردة، دون عرض الصورة الإجمالية، طريقة لإخفاء المسافة بين النشاط والنتيجة.

وكأن المطلوب ألا يمر يوم دون خبر إيجابي عن وقف تراجع الإنتاج، حتى لو استمر التراجع نفسه.

لكن الاقتصاد لا يستجيب للدعاية. فلا تزيد قدم مكعبة واحدة في الإنتاج بإعادة نشر خبر اكتشافها، ولا تنخفض فاتورة الاستيراد بكثرة التصريحات.

ولا ينفي ذلك جهود العاملين بالقطاع أو أهمية سداد متأخرات الشركاء، التي تراجعت من 6.1 مليار دولار في يونيو 2024 قبل إعلان تصفيرها في يونيو 2026. لكن استمرار تراجع الإنتاج رغم السداد والحوافز والاتفاقيات يستوجب مراجعة السياسات، لا الاحتفاء بالإجراءات.

والمطلوب ليس تعليق المسؤولية على تقلبات الأسواق وحدها، ولا إنكار صعوبة العمل في قطاع يحتاج استثمارات ضخمة ودورات تطوير طويلة. المطلوب جدول معلن للمستهدفات وما تحقق منها، حتى يعرف المواطن والبرلمان ما إذا كانت الخطة تتقدم أم يعاد تقديمها كل مرة بعنوان مختلف.

أين تقييم خطة مارس 2025؟ أين مقارنة المستهدفات بالنتائج؟ أين تفسير التناقص الطبيعي والإضافات الإنتاجية والاستثمارات الفعلية؟ ومن المسؤول عن الفجوة بين الوعود والواقع؟

إن امتلاك محطات إسالة وخطوط أنابيب لا يكفي لصناعة مركز إقليمي للطاقة بينما يتراجع الإنتاج المحلي ويتزايد الاعتماد على الخارج. والدولة لا تُدار بمنطق النشرة الإخبارية، والاقتصاد لا يتحسن بتراكم البيانات الصحفية.

ليست مسؤولية رئيس الوزراء ووزير البترول منع كل أزمة، ولكن مسؤوليتهما تحمل نتائج السياسات التي تبنياها وتفسير إخفاق الوعود التي أعلناها. أما أن تتراجع المؤشرات وتتبدل المواعيد ثم نحتفي بـ«إنجازات وطنية»، فهذا اختزال لمعنى المسؤولية العامة.

خسارة فعلًا.. ليس فقط ما خسرناه من إنتاج وموارد، وإنما ما نخسره من قيمة المحاسبة نفسها. فحين تصبح اللقطة بديلًا عن النتيجة، يجد الإخفاق دائمًا عنوانًا جديدًا للاحتفاء به.