الإثنين 12 أكتوبر 2026 الموافق 01 جمادى الأولى 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

مفتاح بيتها المدمر لا يفارقها.. حكاية فلسطينية تحلم بالعودة إلى غزة

الرئيس نيوز

تحول مفتاح المنزل الذي حملته الفلسطينية علياء الضميدة في حقيبتها خلال شهور النزوح إلى رمز لحلم العودة إلى بيت دمرته الحرب، وذاكرة حياة لم تستطع القنابل محوها. وبعد عام من إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا تزال الكاتبة عاجزة عن الوصول إلى منزل عائلتها في مخيم جباليا شمال القطاع، لتكشف شهادتها الفجوة بين الهدنة المعلنة والواقع الذي يعيشه الفلسطينيون.

وفي مقال نشرته صحيفة "تروث آوت" الأمريكية في 10 أكتوبر 2026، بعنوان "أحمل مفتاح منزلي المدمر في غزة لأبقي حلمي بالعودة حيا"، روت الضميدة رحلة أسرتها بين الملاجئ ومناطق النزوح، مؤكدة أن وقف إطلاق النار دخل نشرات الأخبار في 11 أكتوبر 2025، لكنه لم يتحول إلى حقيقة في حياتها.

رمضان تحت القصف.. عودة الخوف

تستعيد الضميدة ليلة 18 مارس 2025، عندما استيقظت أسرتها على أصوات انفجارات متلاحقة خلال شهر رمضان، بعدما استأنفت إسرائيل غاراتها الجوية، منهية فترة هدوء نسبي بدأت مع سريان وقف إطلاق النار في 19 يناير من العام نفسه.

سألت الأسرة والدها عما حدث، وما إذا كانت الحرب قد عادت، لكنه لم يجد إجابة. وبعد ساعات من الخوف، تناول أفراد العائلة السحور وأدوا صلاة الفجر، ثم عادوا إلى النوم وسط الحزن والإرهاق.

وكانت الأسرة تأمل أن يمنحها رمضان فرصة للراحة بعد قرابة عام من الحرب والجوع والنزوح، لكن القصف بدد آمالها. وانتقلت إلى مدرسة قرب منزلها في جباليا، متمسكة بالبقاء بجوار الأقارب والجيران، رغم تدهور الظروف المعيشية.

عيد الأضحى يتحول إلى نزوح جديد

في 6 يونيو 2025، استقبلت الأسرة عيد الأضحى بملابسها الجديدة وصلاته وتهانيه، لكن الاحتفال لم يستمر طويلا. فمع اقتراب صلاة الجمعة، بدأت الغارات والقصف المدفعي، وأصدرت القوات الإسرائيلية أمرا بإخلاء المنطقة، فاضطرت الأسرة إلى مغادرة المدرسة.

اعتقد أفراد العائلة أن النزوح لن يستمر سوى أسبوع أو أسبوعين. لكن والد الضميدة توجه إلى جباليا في 11 يونيو لتفقد منزلهم، ثم عاد بالخبر الصادمز، فالبيت دمر بالكامل. وانتقلت الأسرة إلى منطقة الدرج بمدينة غزة، قبل أن تجبرها كثافة القصف على النزوح مجددا. وفي 22 سبتمبر 2025، وصلت إلى مخيم العودة في الزوايدة وسط القطاع. حمل اسم المخيم معنى خاصا للأسرة، لأنه يجسد الأمل في الرجوع إلى المكان الذي تنتمي إليه واستعادة الحياة السابقة للحرب.

مفتاح يربط الحاضر بنكبة 1948

احتفظت الضميدة بمفتاح منزلها داخل الحقيبة التي أعدتها عند النزوح الأول، وحملته معها في كل انتقال، رغم معرفتها بأنه لن يفتح الباب الذي تتذكره، لأن الباب نفسه لم يعد موجودا. وتربط الكاتبة بين مفتاحها ومفاتيح المنازل التي احتفظ بها أجداد الفلسطينيين بعد تهجيرهم عام 1948، أملا في العودة إلى بيوتهم. ولم تحتفظ بالمفتاح لأنها تعتقد أنه سيعيد فتح منزلها المدمر، بل لأن التخلي عنه بدا كأنه تخلي عن احتمال العودة نفسه.

وقف إطلاق النار.. عودة بلا منزل

في 10 أكتوبر 2025، أخبر والد الضميدة أسرته بإعلان اتفاق وقف إطلاق النار، بينما كانت تستعد لامتحاناتها النهائية. وفي الليلة التالية، دخل الاتفاق حيز التنفيذ، فعادت الأسرة شمالا بعد نحو يومين، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى منزلها، الذي يقع ضمن المنطقة المعروفة باسم "الخط الأصفر".

اضطرت الأسرة إلى الإقامة في مخيم اليرموك بمدينة غزة لدى أقاربها. وهكذا، عادت إلى شمال القطاع دون أن تعود إلى بيتها. وتنقل الضميدة شهادة الفلسطيني محمد أبو ياسر، الذي لا يزال منزله قائما لكنه عاجز عن الوصول إليه. ويصف شعوره بالعجز عن العودة إلى بيت يستطيع رؤيته من بعيد، موضحا أن الحرب غيرت معنى المنزل بالنسبة إليه، فلم يعد مجرد مكان للسكن، بل صار رمزا للأشخاص والذكريات والانتماء.

عام يمر.. والمفتاح لا يزال في الحقيبة

بحسب الأرقام التي أوردتها الضميدة نقلا عن وزارة الصحة الفلسطينية، قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 1460 فلسطينيا وأصابت 5116 آخرين منذ وقف إطلاق النار، حتى موعد نشر شهادتها في أكتوبر 2026.

وخلال العام نفسه، ولد أطفال وكبر آخرون، وتخرجت الضميدة في الجامعة، بينما واصلت عائلات كثيرة محاولة بناء حياة مؤقتة وسط انتظار إعادة الإعمار وإمكانية العودة.

لا تعرف الكاتبة متى ستعود إلى حيها، أو ماذا ستجد حين تصل إليه. لكنها لا تزال تحمل المفتاح، لأنه يذكرها بأن تدمير المنزل لم ينه ارتباطها بالمكان. وتختصر شهادتها مأساة آلاف الفلسطينيين الذين لم تتحول الهدنة بالنسبة إليهم إلى سلام حقيقي؛ فوقف إطلاق النار لا يعيد المنازل، ولا ينهي النزوح، ولا يمنح العائلات حق العودة ما دامت عاجزة عن الوصول إلى بيوتها.