السبت 26 سبتمبر 2026 الموافق 15 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

لماذا تتوسط مصر لإعادة الملاحة الآمنة للبحر الأسود بين روسيا وأوكرانيا؟

الرئيس نيوز

كشفت تصريحات الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي،  خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عن أن مصر والهند وتركيا قدمت خيارات للمساعدة في استعادة الملاحة الآمنة للسفن التجارية في البحر الأسود، دور جديد للوساطة المصرية، في محاولة للتهدئة في إحدى البحار المهمة التي يمر من خلالها سلاسل إمداد الغذاء.

وخلال الفترة الأخيرة تأثرت بقوة الممرات البحرية بالحروب الدائرة في المنطقة، إذ تعرقل إيران الملاحة في مضيق هرمز، كما تهدد جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن الملاحة في مضيق باب المندب، كما تتأثر الملاحة في البحر الأسود، حيث الطريق الذي يعبر منه أطنان الحبوب المقبلة من روسيا وأوكرانيا. 

وبحسب التصريحات التي نقلتها وسائل إعلام عن زيلينسكي، فإن كييف مستعدة لاتخاذ خطوات لضمان أمن الملاحة والأمن الغذائي إذا اتخذت روسيا خطوات مماثلة لخفض التصعيد، بينما تنتظر أوكرانيا رد موسكو على المقترحات المطروحة. ولم يكشف الجانب الأوكراني تفاصيل المقترح المصري أو يعلن التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن ممر بحري جديد.

ووفق خبراء فإن تأمين الملاحة في البحر الأسود أمر مهم بالنسبة للقاهرة، وهو ما دفعها للقيام بتلك المبادرة. 

لماذا تتحرك مصر في البحر الأسود؟

بحسب بيانات نقلتها "رويترز"، جاءت أكثر من 82% من واردات مصر من القمح خلال النصف الأول من 2026 من روسيا وأوكرانيا، ما يجعل أي اضطراب في الموانئ والسفن بمنطقة البحر الأسود ينتقل سريعًا إلى تكلفة القمح الذي يصل إلى الموانئ المصرية.

وتشير بيانات أخرى للسوق إلى أن روسيا ظلت المورد الأكبر، بينما ارتفعت حصة القمح الأوكراني إلى نحو 23% من إجمالي واردات مصر خلال الفترة من يوليو 2025 إلى أبريل 2026، بما يعادل قرابة 3.3 مليون طن، مقارنة بنحو 1.7 مليون طن في الفترة المقابلة من الموسم السابق.

ووفق تقارير صحفية فقد قالت الرئيسة التنفيذية لإحدى شركات تجارة الحبوب، نوران عز الدين، إن المشكلة تتجاوز توافر القمح نفسه، خاصة أن حالة عدم اليقين حول تحركات السفن والأمن البحري يؤدي إلى تأخير الصفقات من ناحية وزيادة التكلفة النهائية للواردات، موضحة أن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب ارتفعت، كما أصبحت أسعار الشحن أكثر تقلبًا، فيما أوقف بعض ملاك السفن رحلات مرتفعة المخاطر مؤقتًا.

وفي أغسطس الماضي، نقلت "رويترز" عن متعامل في الإسكندرية قوله إن عددًا محدودًا من ملاك السفن أصبح مستعدًا لدخول الموانئ الروسية أو الأوكرانية مع تصاعد الهجمات ما يعني أن إعادة الملاحة الآمنة لا تزيد فقط كمية القمح الممكن تصديرها، وإنما قد تعيد السفن وشركات التأمين إلى السوق.

فاتورة شحن ضخمة

الأرقام التي ظهرت في السوق المصرية خلال سبتمبر تكشف لماذا تهتم القاهرة بمسار البحر الأسود، حيث قال مدير شركة تعمل في تجارة واستيراد الحبوب، هشام سليمان، إن تكلفة شحن القمح الأوكراني للمراكب الصغيرة ارتفعت من نحو 50 دولارًا للطن إلى 110 دولارات خلال نحو 40 يومًا، أي بزيادة تصل إلى 120% تقريبًا، كما ارتفعت تكلفة شحن القمح الروسي من نحو 23 دولارًا للطن إلى نحو 38 دولارًا، وفق تصريحاته لـ " العين الإخبارية".

وانعكست الزيادة على سعر القمح، إذ ارتفع سعر الطن الواصل إلى السوق من نحو 270 دولارًا إلى قرابة 320 دولارًا، أي بزيادة تقارب 18.5%.

وبحسب سليمان، ارتفع سعر طن الدقيق في السوق المحلية إلى نحو 20 ألف جنيه مقابل نحو 16 ألف جنيه قبل ذلك، مع زيادة تكاليف القمح والشحن، وهنا تصبح الملاحة في البحر الأسود قضية ترتبط مباشرة بسلسلة تبدأ من ميناء نوفوروسيسك أو الموانئ الأوكرانية وتنتهي بالمطحن والمخبز داخل مصر.

ماذا تكسب مصر إذا عاد الطريق الآمن؟

يمكن لخفض مخاطر الملاحة أن يؤثر في أربعة بنود رئيسية، أولًا، زيادة عدد السفن المستعدة لدخول موانئ البحر الأسود، والثاني تراجع أقساط التأمين المرتبطة بمخاطر الحرب أما البند الثالث فهو انخفاض أسعار النوالين بعد عودة المنافسة بين شركات الشحن إلى جانب تحسن قدرة مصر على التعاقد من روسيا وأوكرانيا دون الاضطرار بصورة أكبر إلى مناشئ أبعد وأكثر تكلفة.

وتشير تقديرات السوق إلى أن البدائل ليست مجانية؛ ففي ذروة اضطرابات أغسطس كان القمح القادم من البحر الأسود يدور حول 260 إلى 280 دولارًا للطن لبعض الأسواق، بينما وصلت عروض القمح الأسترالي إلى نحو 315-320 دولارًا للطن، وفق "رويترز"، لذلك فإن إعادة تدفق الحبوب من البحر الأسود لا تعني فقط تأمين الكميات، بل تعني أيضًا إعادة أحد أكثر مصادر القمح تنافسية إلى السوق بصورة طبيعية.

الوساطة المصرية

التحرك الذي تحدث عنه زيلينسكي لم يظهر فجأة خلال اجتماعات الأمم المتحدة، ففي 5 سبتمبر، بحث وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نظيره اليوناني تداعيات الأزمة الأوكرانية على الملاحة في البحر الأسود وإمدادات القمح لمصر واليونان ودول أفريقية.

وفي 22 سبتمبر، التقى عبد العاطي وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها في نيويورك، وقال بيان الخارجية المصرية إن الجانبين بحثا تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، دون نشر تفاصيل عن مبادرة الملاحة التي كشف عنها زيلينسكي.