نسر أمريكي في بكين وباندا صينية في أتلانتا.. ماذا تقول هدايا ترامب وشي؟
لم يكن تمثال النسر الأصلع الذي قدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس الصيني شي جين بينج مجرد هدية بروتوكولية خلال مأدبة العشاء الرسمية في البيت الأبيض، بل جاء كرمز أمريكي بالغ الوضوح في لحظة تحاول فيها واشنطن وبكين إدارة واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيدا، بين التنافس الاقتصادي والتكنولوجي من جهة والحاجة إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة من جهة أخرى، وفقا لشبكة فوكس نيوز.
وخلال مأدبة العشاء التي أقيمت في البيت الأبيض أمس الخميس، قدم ترامب لنظيره الصيني شي تمثالا مصنوعا على يد فنان أمريكي، وقال إن النسر الأصلع يمثل رمزا وطنيا للولايات المتحدة وتجسيدا لروح أمريكا الحرة والمحَلقة، معربا عن أمله في أن يجد التمثال مكانا مناسبا في بكين. وأوضح ترامب أنه شارك مع السيدة الأولى ميلانيا ترامب في تصميم الهدية، وفقًا لرويترز.
لماذا النسر الأصلع تحديدا؟
النسر الأصلع ليس طائرا أمريكيا عاديا في الرمزية السياسية، فهو من أبرز رموز الدولة الأمريكية، وارتبط تاريخيا بفكرة القوة والسيادة والحرية. ولذلك فإن تقديم تمثاله إلى زعيم أجنبي خلال مأدبة رسمية يمنح الهدية معنى يتجاوز قيمتها الفنية.
وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن اختيار الرمز الأمريكي تحديدا يبدو متسقا مع الرسالة التي أراد ترامب إيصالها خلال المأدبة: واشنطن تدخل اللقاء مع بكين من موقع الدولة التي تريد حماية مصالحها، لكنها في الوقت نفسه تريد إظهار أن المنافسة لا تمنع التواصل الشخصي والدبلوماسي. وقد وصفت وكالة فرانس برس الهدية بأنها جزء من مشهد احتفالي واسع استخدم فيه ترامب كثيرا من الرموز والمراسم لإبراز العلاقة الشخصية مع شي.
المفارقة اللافتة أن هدية ترامب جاءت في مقابل رمز صيني شديد الشهرة هو الباندا. فقد أعلن شي خلال زيارته أن الصين سترسل دبّي باندا عملاقين إلى حديقة حيوان أتلانتا، في خطوة تعيد استخدام واحدة من أشهر أدوات الدبلوماسية الرمزية الصينية.
وبذلك ظهر تبادل الرموز بين الطرفين بصورة شبه مكتملة: واشنطن تقدم النسر الأصلع بوصفه رمزا أمريكيا، وبكين تقدم الباندا بوصفها رمزا صينيا تقليديا للود والتقارب. وتأتي الإشارتان في وقت تحاول فيه القوتان إبقاء الخلافات الكبرى تحت سقف يمكن إدارته، وفقًا ليو إس إيه توداي.
ما وراء الهدية.. تجارة وتكنولوجيا ومعادن نادرة
الابتسامات والهدايا لم تحجب الملفات الثقيلة التي كانت على طاولة ترامب وشي. فقد جاءت الزيارة في ظل خلافات مستمرة حول التجارة والرسوم الجمركية، وتدفق المعادن النادرة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وكانت رويترز قد أشارت قبل الزيارة إلى أن المعادن النادرة تمثل إحدى أهم أوراق القوة الصينية في العلاقة الاقتصادية، بعدما عززت بكين موقعها في التعدين والتكرير والإنتاج العالمي لهذه المعادن الحيوية للصناعات الإلكترونية والدفاعية والتكنولوجية. كما كان الذكاء الاصطناعي والتجارة من الملفات الأساسية المنتظرة في محادثات الجانبين.
ولهذا تبدو هدية النسر جزءا من "الدبلوماسية الناعمة" المصاحبة للمفاوضات، حيث يمكن للرموز الشخصية والمراسم الرسمية أن تخفف حدة الخطاب السياسي، من دون أن تعني بالضرورة انتهاء الخلافات الجوهرية.
ثلاثة أيام من الاستعراض والرسائل
جاء العشاء في ختام يوم حافل بالمراسم، إذ استقبل ترامب شي لدى وصوله إلى واشنطن، في خطوة بروتوكولية نادرة، ثم اصطحبه في جولة تضمنت إطلاعه على المروحية الرئاسية ومرافق جديدة في البيت الأبيض.
وضمت قائمة العشاء عددا كبيرا من أبرز قادة التكنولوجيا والأعمال في الولايات المتحدة، بينهم إيلون ماسك وجيف بيزوس وسام ألتمان وتيم كوك وجنسن هوانج، في إشارة واضحة إلى أهمية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مستقبل العلاقة بين واشنطن وبكين. وكانت رويترز قد كشفت قبل الزيارة أن عددا من كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا سيشاركون في المأدبة، وفقًا لرويترز.
هدية رمزية لا تلغي المنافسة
وبينما وصف ترامب علاقته بشي بأنها أصبحت أفضل، تحدث الرئيس الصيني خلال المأدبة عن أهمية التعاون وتجنب الصراع بين أكبر اقتصادين في العالم، مؤكدا أن البلدين يمكنهما تحقيق مكاسب من التعاون وأن الصراع لن يخدم أي طرف.
لكن خلف النسر والباندا والمأدبة الفاخرة، تبقى العلاقة الأمريكية الصينية محكومة بملفات أكثر صعوبة: التجارة، المعادن النادرة، الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا المتقدمة، الأمن الإقليمي وتايوان.
لذلك يمكن قراءة هدية النسر باعتبارها رسالة رمزية من واشنطن إلى بكين، وقد تعني كيف ان الولايات المتحدة مستعدة لإظهار الاحترام وفتح مساحة للتفاهم، لكنها تفعل ذلك وهي تضع أحد أقوى رموز هويتها الوطنية على طاولة العلاقة مع الصين.