من قناة السويس إلى بريكس.. كيف تعيد مصر رسم توازناتها الدولية؟
شارك الرئيس عبدالفتاح السيسي في القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس التي استضافتها نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر، وسط حضور قادة روسيا والصين وإيران وجنوب أفريقيا، في وقت جدد فيه تأكيد طموح القاهرة لتولي رئاسة المجموعة في المستقبل القريب، وفقا لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية، ويأتي هذا الطموح بعد نحو 3 سنوات على انضمام مصر الرسمي إلى بريكس في يناير 2024، في انتقال تدريجي من مقعد المشارك إلى موقع صانع الأجندة داخل التكتل.
الموقع الجغرافي كأداة ضغط
وقالت صحيفة تايمز أوف إمارات إن الرئيس السيسي وضع مباشرة أمن الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر وقناة السويس في صلب خطابه، محذرا من أن الأزمات المتصاعدة في الشرق الأوسط تنعكس سلبا على الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية، ومؤكدا أن موقع مصر الاستراتيجي يمنحها إدراكا خاصا لأهمية استقرار هذه الممرات.
وكرر الرئيس هذه الرسالة خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش القمة، مشددا على أن استقرار الممرات المائية "أمر مهم" في ظل الأزمات التي تشهدها المنطقة وسط استمرار الاضطرابات الإقليمية.
واشنطن تراقب بقلق تمدد بكين
يأتي هذا التموضع المصري في وقت تتزايد فيه مخاوف واشنطن من تعمق العلاقة بين القاهرة وبكين، خصوصا في منطقة قناة السويس الاقتصادية التي تستضيف مئات الشركات الصينية باستثمارات تتجاوز 3.8 مليار دولار. ويرى محللون أن الصين تسعى لدمج استثماراتها في هذه المنطقة مع مشاريع إقليمية أخرى تهدف لتجاوز مضيق هرمز، مثل ممر أوروبا-مصر-نيوم-الخليج، وهو ما يمنح مصر أهمية مضاعفة كنقطة عبور بديلة وسط الاضطراب الحالي في هرمز.
توازن وليس انحيازا
ورغم هذا التمدد نحو بريكس والصين وروسيا، يرى باحثون أن مصر لا تسعى لاستبدال حليفها الغربي التقليدي، بل لتوسيع هامش مناورتها الخارجية. فالقاهرة لا تزال تتلقى نحو 1.3 مليار دولار سنويا كمساعدات عسكرية أمريكية، بينما تصف القيادة المصرية سياستها بأنها "توازن استراتيجي" يعكس رغبة أوسع لدى دول الجنوب العالمي في تنويع شراكاتها بدلا من البقاء في مربع تبعية واحد.
ووفقا لصحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست الصينية، كشف حضور السيسي في نيودلهي وتكراره رسالة استقرار الممرات المائية أن القاهرة تدرك جيدا قيمة موقعها الجغرافي كورقة تفاوضية مع كل الأطراف الكبرى في آن واحد، لا كأداة اصطفاف مع محور بعينه. وطالما بقيت واشنطن مترددة في تثبيت التزامها تجاه القاهرة، فإن انفتاح مصر المتزايد على بريكس والصين سيظل خيارا عقلانيا ومفهومها تماما لتعظيم أوراق ضغطها، لا مؤشرا على أي قطيعة مع الغرب.
أرقام ذات دلالة
ووفقا للصحيفة الصينية، قفز حجم التبادل التجاري بين مصر ودول بريكس قفز من 45 مليار دولار عام 2024 إلى 53.5 مليار دولار عام 2025، بنسبة نمو بلغت 18.8%. وارتفعت الصادرات المصرية إلى دول التكتل من 9.451 مليار دولار إلى 13.772 مليار دولار، أي بنمو 45.7%، مقابل زيادة أقل في الواردات بلغت 11.6% لتصل إلى 39.679 مليار دولار، ما أبقى العجز التجاري المصري عند نحو 25.9 مليار دولار.
وتراهن القاهرة على مشروع مركز شرق بورسعيد اللوجستي للحبوب لتعزيز أمنها الغذائي، فيما تبقى عضويتها في بنك التنمية الجديد، التي سبقت انضمامها الرسمي لبريكس منذ 2023، اختبارا حقيقيا لقدرتها على تحويل هذه العضوية إلى تمويل فعلي لمشروعات استراتيجية.